في الآونة الأخيرة أصبحنا نلاحظ انتشار بعض السلوكيات المرفوضة التي تثير القلق داخل المجتمع، وهي سلوكيات لا ترتبط بعمر معين أو فئة محددة، بل أصبحت ظاهرة تمتد بين مختلف الأعمار، مما يدفعنا للتساؤل: أين الخلل؟ وهل نحن أمام أزمة تربية أم غياب للردع والعقاب؟
من المشاهد المؤسفة التي نراها، اعتداء بعض الطلاب في سن صغيرة على المعلمين والمعلمات لمجرد رفضهم السماح لهم بالغش أثناء الامتحانات. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل وصل إلى تخريب وتكسير محتويات المدارس، تلك الأماكن التي يتلقون فيها العلم ويبنون مستقبلهم.
والأكثر إيلامًا أن بعض أولياء الأمور أصبحوا طرفًا في هذه الأزمة، فمنهم من يساند أبناءه بالاعتداء على المعلم، أو يلقي عليه اللوم لأنه منع الغش، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى وقوف أحد أولياء الأمور خارج المدرسة لإملاء الإجابات على الطلاب عبر مكبر الصوت...!!
هذه المواقف تكشف عن خلل أكبر من مجرد تصرف فردي، فهي تعكس غياب مفاهيم أساسية مثل احترام المعلم، وتقدير قيمة التعليم، وتحمل المسؤولية.
ولا يقتصر الأمر على المدارس فقط، بل امتد إلى مجالات ومواقف أخرى. ننتقل إلى مشهد آخر من قلب العاصمة، في يوم كان من المفترض أن يكون يوم فرحة واحتفال بعد مباراة تاريخية للمنتخب المصري. لكن الفرحة تحولت إلى مشهد مؤسف من التخريب وإتلاف المكان المخصص للتشجيع، فتحول ما كان يحمل صورة من الجمال والتنظيم إلى منظر لا يليق بقيمة الحدث ولا بالمكان.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لصالح من يحدث هذا التخريب؟
فالأماكن العامة ليست ملكًا لفرد أو مجموعة، بل هي ملك لجميع المواطنين، وقد أُنشئت من أموال الشعب لتكون متاحة للجميع، والحفاظ عليها مسؤولية مشتركة. ولو كانت نتيجة المباراة مختلفة وسادت مشاعر الحزن والغضب، فكيف سيكون التعبير عن الغضب؟
تعددت الأسباب، والنتيجة واحدة. اختلفت صور الانحراف السلوكي، لكن النهاية واحدة: ضرر مادي ومعنوي، وفقدان لقيم مهمة لابد وأن تكون راسخة في وجدان المجتمع.
ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام أزمة تربية داخل الأسرة المصرية؟ أم أن وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية أصبحت تؤثر في سلوك الأبناء؟ أم أن غياب العقاب الحازم في الأسرة والمجتمع جعل البعض يشعر بأن تجاوز الحدود أمر بلا عواقب؟
لقد أكد القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما تخفيه النفوس، وجعل في الحياة ميزانًا للثواب والعقاب، فحتى إماطة الأذى عن الطريق عمل يُثاب عليه الإنسان، والكلمة الطيبة لها قيمة، كما أن السلوك السيئ له حساب. والإنسان بطبيعته يحتاج إلى التوجيه والردع حتى يستقيم سلوكه.
لذلك لا بد من العودة إلى الاهتمام الحقيقي بالتربية داخل البيت والمدرسة، وتعليم الأبناء معنى الانتماء، وأن كل ما يوجد في الوطن من ممتلكات عامة هو ملك للجميع، والحفاظ عليه واجب. وكذلك احترام الملكية الخاصة، لأن وراء كل شيء يملكه الإنسان جهدًا وتعبًا وسنوات من العمل.
إن تقديس الوطن ومقدراته لا يأتي بالشعارات، بل يبدأ من تربية طفل يعرف قيمة المكان الذي يعيش فيه، ويحترم الآخرين، ويدرك أن بناء المجتمع يبدأ من سلوكه اليومي. فحماية عقول الأبناء وبناء وعيهم هي الخطوة الأولى لحماية مستقبل الوطن.
التعليقات