لم تكن جراحة القلب بالنسبة إليّ، في أي يوم، مجرد تخصص طبي دقيق أو مهنة تُمارس داخل غرف العمليات، بل كانت دائماً رسالة إنسانية تقوم على العلم والرحمة والمسؤولية. فخلف كل حالة مرضية إنسان ينتظر فرصة جديدة للحياة، وأسرة تتطلع إلى لحظة أمل، وفريق طبي يحمل على عاتقه مسؤولية لا تحتمل التهاون.
إن حصولي على جائزة «الأسد الذهبي للطب» في مدينة البندقية، وعدة جوائز عالمية من مستشفيات بعض الجامعات الأمريكية والجامعات العالمية، وجائزة "لومين ماجستيرس" التي تعادل جائزة الطب في الاتحاد الأوروبي، يمثل لحظة اعتزاز كبيرة في مسيرتي المهنية، لكنه في الوقت ذاته يضع أمامي مسؤولية أكبر. فالجوائز لا ينبغي أن تكون نهاية الطريق، وإنما محطة تدفع الإنسان إلى مواصلة العمل، وتطوير خبراته، وتوسيع أثره في خدمة المرضى والمجتمعات.
وأرى أن هذا التكريم لا يخص طبيباً واحداً، بل هو تقدير لكل طبيب وممرض وفني وباحث يعمل بصمت وإخلاص من أجل إنقاذ حياة إنسان. فالنجاح في الطب لا يصنعه فرد بمفرده، وإنما تصنعه فرق متكاملة تؤمن بقيمة العمل الجماعي، وتدرك أن الدقة العلمية والرحمة الإنسانية لا تنفصلان.
لقد شهدت جراحة القلب خلال العقود الماضية تطورات هائلة، وانتقلت من تدخلات كانت تُعد شديدة الخطورة إلى عمليات أكثر دقة وأماناً بفضل التقدم في التقنيات الجراحية والتشخيص المبكر والعناية المركزة. واليوم نقف أمام مرحلة جديدة سيكون فيها الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الطبية، والجراحة الروبوتية، والطب الشخصي عناصر رئيسية في مستقبل الرعاية الصحية.
لكن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لن تستطيع أن تحل محل الضمير الإنساني للطبيب. فالآلة قد تساعدنا على التشخيص، وقد تزيد دقة القرار، لكنها لا تستطيع أن تمنح المريض الطمأنينة، أو تتفهم خوف أسرته، أو تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن القرار الطبي. ولذلك فإن مستقبل الطب يجب أن يقوم على التكامل بين الخبرة البشرية والتكنولوجيا، لا على إحلال إحداهما محل الأخرى.
ومن أهم الواجبات التي تقع على عاتق الأطباء والمؤسسات الطبية نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة. فالخبرة التي لا تُنقل تفقد جانباً كبيراً من قيمتها، والعلم الذي يبقى حبيس صاحبه لا يؤدي رسالته الحقيقية. وقد حرصت طوال مسيرتي على تدريب الأطباء الشباب، ومشاركة الخبرات معهم، وتعزيز التعاون بين الجامعات والمستشفيات والمؤسسات العلمية في مختلف دول العالم.
إن بناء أنظمة صحية قوية لا يتحقق فقط بإنشاء المستشفيات أو شراء أحدث الأجهزة، بل يبدأ بالاستثمار في الإنسان: في الطبيب والباحث والممرض والفني، وفي التعليم والتدريب والبحث العلمي. فالمؤسسات الصحية القادرة على مواجهة الأزمات هي التي تمتلك كوادر مؤهلة، ونظماً مرنة، وثقافة تشجع على الابتكار والتعلم المستمر.
ويظل العمل الطبي الإنساني أحد أكثر جوانب المهنة تأثيراً في نفسي. لقد أتيحت لي فرصة إجراء آلاف العمليات الجراحية لمرضى القلب المحتاجين في عدد من دول العالم، ضمن مبادرات حملت اسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. وكان ذلك امتداداً لنهج إنساني أصيل آمن بأن قيمة الإنسان لا تحددها جنسيته أو مكان إقامته، وأن إنقاذ الحياة مسؤولية تتجاوز الحدود.
إن إرث الشيخ زايد الإنساني يقدم نموذجاً ملهماً في تسخير المعرفة والإمكانات لخدمة الإنسان. وقد تعلمنا من هذه الرؤية أن الطب يمكن أن يكون جسراً للتواصل بين الشعوب، وأن المستشفى قد يتحول إلى مساحة تتراجع داخلها الاختلافات، فلا يبقى سوى إنسان يساعد إنساناً آخر على استعادة صحته وحياته.
وأهدي هذا التكريم إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وإلى كل مريض منحني ثقته، وإلى زملائي من الأطباء والباحثين والفرق الطبية الذين شاركوني سنوات العمل والمسؤولية. كما أهديه إلى كل طالب طب وطبيب شاب اختار هذا الطريق، وهو يدرك أن النجاح فيه لا يقاس فقط بالمناصب أو الجوائز، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
لقد علمتني جراحة القلب أن الحياة قد تتغير خلال لحظة، وأن قراراً دقيقاً قد يمنح إنساناً سنوات جديدة يعيشها بين أسرته وأحبائه. وعلمتني أيضاً أن الطبيب، مهما بلغ من علم وخبرة، يجب أن يظل متواضعاً أمام تعقيد الجسد البشري وعظمة الحياة.
ستبقى رسالتي كما كانت دائماً: أن نجعل من الطب جسراً للأمل، ومن العلم قوة لخدمة الإنسان، ومن التعاون بين المؤسسات الطبية والأكاديمية لغة مشتركة تجمع العالم. فحين يوضع العلم في خدمة الرحمة، يصبح الطب أحد أنبل أشكال العمل الإنساني.
جراح القلب العالمي - الرئيس الشرفي لجامعة ساليرنو - إيطاليا، نائب رئيس جامعة لوجانو سويسرا، أستاذ جراحة القلب في الجامعة الكاثوليكية روما، أستاذ جراحة القلب في لندن - بريطانيا
التعليقات