- سياسة الإرادة
لم تكن الإرادة بالنسبة لي يومًا مجرد كلمة تُقال، أو حماسًا عابرًا ينتهي بانتهاء الظروف، بل كانت طريقًا اخترته، وإيمانًا حملته معي في رحلتي. فقد تعلمت أن الإنسان قد تواجهه تحديات كثيرة، وقد تثقل عليه الأيام، لكن ما دام يحمل في داخله هدفًا يؤمن به، فإنه يملك القدرة على الاستمرار والمضي قدمًا. وذلك جزءً مهم لا يتجزأ من سياسة الإرادة.
- استشراف أثر الإرادة:
ومن هنا كانت الكتابة بالنسبة لي أكثر من مجرد حروف تُسطر، فقد وجدتها بيئة خصبة أستثمر فيها وقتي وفكري واستشرافي، وأحوّل من خلالها تجاربي ومعارفي إلى أثرٍ يبقى. فرغم الظروف المتقلبة ، والتحديات الصعبة والخبيثة ، واصلت كتابة ونشر كتبي وبحوثي وخواطري ، لأنني أؤمن بأن أعظم استثمار يمكن أن يقدمه الإنسان هو أن يبني فكره، ويشارك علمه، ويترك بصمةً نافعة لمن يأتي بعده.
- الإرادة الصادقة:
وحقًّا، الإرادة الصادقة لا تشيخ؛ فهي تبقى متقدةً ما دام في الإنسان هدفٌ يؤمن به، وعزيمةٌ تُحيي خطواته نحو غايته.
فكثيرون يظنون أن الزمن ينتصر على الإنسان، والحقيقة أن الزمن لا ينتصر إلا على من استسلم له. أما من جعل لحياته رسالة، فإن الأيام لا تزيده إلا خبرة، والعقبات لا تمنحه إلا قوة، والانتظار لا يورثه إلا صبرًا.
الإرادة ليست كلمة تُقال في لحظة حماس، وليست وعدًا يذوب عند أول عثرة، وإنما هي عهدٌ يقطعه الإنسان مع نفسه؛ أن يمضي وإن أبطأت به الخطى، وأن ينهض وإن أثقلته السقطات، وأن يؤمن بأن الطريق الطويل لا يقطعه إلا من رفض الوقوف.
- عزيمة الإرادة:
وكم من إنسانٍ امتلك المال وخسر إرادته، فأصبح فقيرًا في المعنى، وكم من إنسانٍ لم يملك إلا عزيمته، ففتح الله له من أبواب النجاح ما لم يكن يتخيله. فالقيمة الحقيقية ليست فيما تملك، وإنما فيما تملك من قوةٍ تدفعك إلى الاستمرار ، كالقوة الذهنية ( على سبيل المثال لا الحصر ) .
إن الإرادة تُولد من الإيمان بأن لكل تعبٍ ثمرة، ولكل صبرٍ موعدًا، ولكل دعاءٍ حكمة، وأن الله لا يضيع سعي من صدقت نيته وأخلص عمله. وحين يسكن هذا اليقين القلب، تصبح العقبات محطاتٍ للتعلّم، لا أسبابًا للتراجع.
لذا.. لا تخشَ أن يتقدم بك العمر، بل اخشَ أن يتوقف في داخلك الحلم. فالسنون قد تُغيّر الملامح، لكنها لا تستطيع أن تُطفئ قلبًا ما زال يؤمن بأن الغد يحمل فرصةً جديدة، وأن البداية قد تأتي في أي لحظة.
ولهذا، فإن الإنسان لا يكون كبيرًا حين يكثر عمره، بل حين تصغر همته. أما من بقي قلبه متعلقًا بالخير، وعقله منشغلًا بالبناء، وروحه موقنةً بالله، فإنه يظل شابًّا بإرادته، وإن حملت السنوات على كتفيه أثقالها.
فالإرادة الصادقة لا تشيخ، لأنها تستمد حياتها من يقينٍ لا يذبل، وأملٍ لا ينطفئ، وغايةٍ تستحق أن يُفني الإنسان عمره ساعيًا إليها، راضيًا بما يكتبه الله له في الطريق.
- قناعة الإرادة:
وأقول هذا عن قناعةٍ عشتها قبل أن أكتبها. فعلى الرغم من الظروف والتحديات التي مررت بها، لم أتوقف عن الكتابة، ولم أؤجل مشاريعي الفكرية، بل واصلت نشر كتبي وبحوثي وخواطري ، لأنني أمتلك العزيمة ، وأؤمن أن كل صفحة أكتبها هي لبنةٌ أضعها في بناءٍ سيبقى بعدي، وكل فكرةٍ أوثقها هي استثمارٌ حقيقي لوقتي وعقلي، قبل أن تكون إنجازًا يُنسب إليّ.
رحلة الإرادة:
ولم تكن رحلتي مع الكتابة طريقًا مفروشًا باليسر، لكنها كانت ولا تزال رحلةً مع الذات؛ أختبر فيها صبري، وأتحدى بها حدودي، وأجدد من خلالها إيماني بأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يترك من أثرٍ نافع، وبما يغرسه من علمٍ وفكرٍ يبقى بعد رحيله.
ولذلك، فإن كل كتابٍ أنشره، وكل بحثٍ أُنجزه، وكل خاطرةً أبوح بها ليس مجرد عملٍ أضيفه إلى سيرتي، بل هو شاهدٌ على أن الإرادة إذا صدقت، صنعت من التحديات دوافع، ومن العثرات بدايات، ومن الوقت المحدود أثر يمتد إلى ما بعد العمر .
التعليقات