الخروج عن النص -في كثير من الأحيان- يعطي قوةً فريدة للعمل، أو التفكير خارج الصندوق، فالعصف الذهني طريق آمنة غالبا لتحقيق الأهداف.
وعليه، فكثيراً ما تراودني رغبات مختلفة في الشكل والمضمون، كلما قرأت عن الصحابة رضي الله عنهم والخلفاء الراشدين، أو الأئمة الأعلام الذين اتبعوا الأصل قولاً وعملاً؛ فنتج عنهم سيل من العلوم بشتى أنواعها: دنيوية وشرعية.
ولكني لا أبحث عن أسمائهم؛ لأنها معروفة، ولا عن تاريخهم لأنه مكتوب، ولا حتى عن المواقف التي اشتهروا بها لأنها مؤرخة.
وإنّ ما يشدني حقًا هو العالم الداخلي الذي عاشوا فيه، وتعايشوا معه، والطريقة التي كانوا ينظرون بها إلى الحيوات كلها، وإلى أنفسهم، وإلى الله جلّ في عُلاه.
أتساءل دائمًا:
كيف كانت أفكارهم حين ينبرون إلى أنفسهم ؟!
كيف كانوا يرون الدنيا؟
وكيف استطاعوا أن يجعلوا الإيمان حقيقةً حاضرةً في كل تفاصيل حياتهم، لا مجرد كلمات تُقال أو معارف تُحفظ ؟ فَالْبَوْنُ واسع بين الحضور والغياب!
إن ما يثير التأمل في سيرهم ليس ما حققوه من مكانة أو أثر، بل تلك العظمة وذلك الصفاء الذي كان يقود قراراتهم، وذلك اليقين الذي كان يملأ قلوبهم.
فقد كانوا يعيشون في الدنيا أجسادا، لكن قلوبهم كانت متعلقة بما هو أبعد من الدنيا، فيتعاملون مع الناس، ويخوضون شؤون الحياة، ويواجهون التحديات نفسها التي يواجهها البشر في كل زمان، لكنهم كانوا يمتلكون بوصلةً ثابتة لا تتغير !
إنها بوصلة الإيمان العميق بالله .
ولذلك -ومن واقعنا- أشعر أن الفارق الحقيقي بيننا وبينهم ليس في مقدار العلم ولا في وفرة الوسائل، بل في طريقة التفكير؛ فقد كانوا ينطلقون من سؤال واحد:
ماذا يريد الله منا؟
وبينما ننشغل نحن كثيرًا بسؤال:
ماذا أريد أنا؟
وهنا أجد الهُوَّةَ العميقة بيننا وبينهم!
فقد توصلت إلى أنهم كانوا يجعلون رضا الله غايةً، ثم تتفرع عنها بقية الأهداف، أما نحن فكثيرًا ما نجعل الأهداف هي الأصل، ثم نبحث عن الإيمان في أطراف الطريق، ولا تجده أنفسنا المبللة بالنقصان!
ولعل أجمل ما في التأمل في أولئك الناس؛ هو أن الإنسان يكتشف أن العظمة لم تكن في أشخاصهم بقدر ما كانت في صدق صلتهم بالله ؛ فلذلك اختلفت طبائعهم، وتنوعت مواهبهم، وتباينت أساليبهم، لكنهم اجتمعوا على قلبٍ يعرف طريقه إلى الله، وعقلٍ يدرك أن الحياة أقصر من أن تُهدر في الصغائر، كما نعيشها الآن للأسف!
إنني لا أبحث عن لحظات من تاريخهم بقدر ما أبحث عن لحظات من أيامهم ووعيهم لكي أستشعر بها تلك المعاني التي جعلت الإيمان حيًا في نفوسهم، وعن ذلك النور الذي منحهم القدرة على رؤية الأمور بميزان مغاير.
وربما كانت أعظم فائدة من قراءة سِيَرَهَم ؛ أن نتعلم كيف نفكر كما فكروا، ونجعل علاقتنا بالله أساسًا لكل ما نقول ونفعل، وهذا هو الهدف الذي يجب أن نسعى إليه .
وحينها فقط ندرك أن التاريخ ليس أسماءً تُذكر، ولا أحداثًا تُروى فقط، بل أرواحٌ تركت أثرها ؛ لأنها عرفت ربها ؛ فعرفت كيف تعيش، وتعمل، وتمضي في طريقها بثبات ويقين لا يَزِلّان ..
أُرِيدُ لحظاتٍ من فكر أولئك العظماء ؛ لأعيش وأتمسك وأعمل وأنتفع بها، وأموت عليها؛ لعل بعض القُرَّاء يتَّبعون دربي.
التعليقات