قبل ساعات حصدت مصر جائزة (الفهد الفضى) لأفضل فيلم قصير(خوفو)، من مهرجان (لو كارونا) بسويسرا أحد اقدم المهرجانات فى العالم، تلك هى دورته 79، ولد بعد أشهر قلائل من مهرجان (كان) 1946.
قبل عرض الفيلم رسميا، تمكنت من رؤيته بالقاهرة، وتوقعت له جائزة، رغم أننى لم أر باقى الأفلام المنافسة، لجان التحكيم فى المهرجانات تنحاز للغة السينمائية العصرية، والتى تمسك بمفرداتها من خلال هذا (الترمومتر) الذى يسمح للمشاهد بهامش من الإضافة، يستكمل الرؤية البصرية والسمعية، المخرج لا يقدم لك كل التفاصيل، يمنحك بداية الخيط، وأنت الذى تحدد زاوية الرؤية.
المخرج محمود العاصى فى أول تجربة درامية له، أجاد التقاط الفكرة التى تجرى أحداثها فى نزلة السمان، حيث يعمل عدد من سكانها فى تأجير الجمال، التى يستهوى السياح ركوبها.
حوار مكثف، تلعب النظرات دور البطولة، يصل مباشرة إلى العمق.
الجمل (خوفو)، على اسم الهرم الأكبر، يعانى من سوء التغذية، حالته الصحية تتدهور، غير قادر على أداء وظيفته، برغم كل محاولات التحفيز الهادئة، ثم يعاقب بقسوة بضربات الكرباج، الذى يمسك به صاحبة الشاب (سيد)، وعندما يتأكد أنه يقف على بعد خطوات قلائل من الموت، يقرر ذبحه، تتصدى الأم، تصطحب الجمل إلى بيتها، وتدعو جيرانها المتشحات بالسواد لبناء مقبرة والمشاركة بالعزاء داخل المنزل، فى انتظار موته ودفنه بكل إعزاز وتقدير.
من حقك أن ترى الفيلم كما يحلو لك، وتمنحه أبعادا تاريخية واجتماعية واقتصادية ونفسية وسياسية، إلا أن أهم ما فى هذا الشريط، أنه يتكئ على رؤية مخرج امتلك عينا قادرة على تقديم لغة سينمائية عميقة تهمس بكل ظلالها، وفى نفس الوقت تبدو بسيطة وعفوية فى السرد.
المنتج المصرى مارك لطفى شاركه فى إنتاجه أكثر من دولة أوروبية، اكتشفت أن مارك، قدم للسينما المصرية والعربية أفلاما هامة جدا حصدت عشرات من الجوائز مثل (سعاد) و(كذب أبيض) و(حتى لا نسى وجهك) وغيرها.
هل سنحتفى بفيلمنا الذى شرفنا فى لو كارنو؟ أتمنى أن نتعلم تلك الفضيلة وهى أن نمتلك القدرة على إعلان البهجة.
مع الأسف قسط وافر من جوائزنا لم نسعد بها، داخل وزارة الثقافة صوتان، الأول يبتهج ويعلن الفرح، والثانى لا يصدق عادة أننا نستحق، يبحث عن سبب اخر خارج النص، فزنا مثلا عام 2020 بأول سعفة ذهبية لمهرجان (كان) فى تاريخنا عن الفيلم القصير (حتى لا أنسى وجهك) لسامح علاء، ووضعنا التراب على الجائزة، حصدنا بعدها بعامين ذهبية قسم (أسبوع النقاد) عن فيلم (ريش)، وزيرة الثقافة الأسبق د.إيناس عبد الدايم استقبلت فريق الفيلم الفائز، وهنأتهم بعد هذا الانتصار التاريخى، على أرض الواقع هناك من قرر داخل وزارة الثقافة اغتيال الفرحة، والتشكيك فى الفيلم، مخرج الفيلم عمر زهيرى من بعدها لم يقدم شيئا، والمنتج محمد حفظى صرح أنه لو عادت به الأيام لن ينتج فيلما مثل (ريش)، الأهم من كل ذلك أن الفيلم لم يصرح حتى كتابة هذه السطور بعرضه جماهيريا.
شاهدت (خوفو) مثنى وثلاث ورباع، وأخذت أفكر بعقول سارقى الفرحة، المتوجسين دوما، لم أجد فى قلبى وعقلى سوى الإعزاز والتقدير لفيلم مصرى مشرف ومخرج موهوب اسمه محمود العاصى، استطاع فى 17 دقيقة أن يقول للعالم (نحن هنا)!!
التعليقات