تحل ذكرى ميلاد الفنان المصري شفيق نور الدين، الذي وُلد في 15 سبتمبر 1911، بعدما ترك وراءه مسيرة طويلة امتدت بين المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون، ولم تكن بدايته من أمام الجمهور مباشرة، بل أمضى سنوات خلف خشبة المسرح ملقنًا للممثلين، قبل أن ينتقل من "الكمبوشة" إلى الأضواء ويصبح أحد الوجوه المميزة في الفن المصري.

من المنوفية إلى مسارح القاهرة
وُلد شفيق محمد نور الدين في 15 سبتمبر عام 1911، وتشير مصادر عدة إلى أن مولده كان بمحافظة المنوفية، فيما تحدد بعضها قرية "بجيرم" مسقطًا لرأسه، وفي شبابه انتقل إلى القاهرة والتحق بمدرسة الفنون والصنائع، وكان مهتمًا في البداية بالميكانيكا، لكن شغفه بالتمثيل غلب دراسته، فترك المدرسة عام 1931 والتحق بقاعة المحاضرات المسرحية بمعهد عبد العزيز حمدي، الذي يُذكر بوصفه من البدايات المبكرة لتعليم التمثيل في القاهرة.
ولم يكن الطريق إلى الشهرة سهلًا؛ إذ بدأ نور الدين العمل في المسرح من "الكمبوشة" ملقنًا للممثلين، وهي المهنة التي أتاحت له الاحتكاك بأسماء كبيرة في المسرح المصري، من بينهم سلامة حجازي وجورج أبيض وزكي طليمات، وانضم إلى فرقة جورج أبيض عام 1933، وظل لسنوات يجمع بين التلقين وأداء الأدوار الصغيرة، منتظرًا الفرصة التي تنقله إلى مقدمة الخشبة.

"توت عنخ آمون" تفتح له أبواب الشهرة
شكّل المخرج فتوح نشاطي محطة فارقة في حياة شفيق نور الدين، بعدما منحه فرصة أكبر لإظهار موهبته، وصولًا إلى إسناد دور "الكاهن" إليه في مسرحية "توت عنخ آمون" عام 1942، وحقق نجاحًا في الدور، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من مسيرته ويتحول تدريجيًا من ملقن وصاحب أدوار هامشية إلى ممثل بارز على خشبة المسرح.
وأصبح المسرح القومي بيته الفني الأبرز، خصوصًا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وشارك في مجموعة كبيرة من الأعمال، بينها "ملك القطن"، و"عيلة الدوغري"، و"المحروسة"، و"السبنسة"، و"سكة السلامة"، و"بير السلم"، و"دائرة الطباشير القوقازية"، واستطاع من خلالها أن يقدم نماذج متعددة للمصري البسيط، وخاصة الفلاح والموظف والرجل الشعبي.

بصمة على خشبة المسرح
ارتبط اسم شفيق نور الدين بعدد من كلاسيكيات المسرح المصري، ومن أشهرها "سكة السلامة" للكاتب سعد الدين وهبة، التي جسد فيها شخصية سائق الأتوبيس، و"عيلة الدوغري" التي أدى فيها شخصية "علي الطواف"، إلى جانب مشاركته في "السبنسة" بشخصية الشاويش صابر و"ملك القطن" بشخصية قمحاوي.
وظل المسرح المجال الأقرب إليه، وقضى نحو أربعة عقود ممثلًا محترفًا على الخشبة، وتميز بقدرته على تقديم شخصيات مأخوذة من قلب المجتمع المصري، ولم يعتمد حضوره على البطولة المطلقة بقدر اعتماده على قدرته على منح الشخصية الثانوية ثقلًا يجعلها عالقة في ذاكرة الجمهور.

أكثر من 80 فيلما.. وأدوار لا تُنسى
انتقل شفيق نور الدين بقوة إلى السينما، وشارك وفق "المصري اليوم" في أكثر من 80 فيلمًا، بينما تحصي مصادر فنية أخرى عددًا أكبر من المشاركات السينمائية، وضمت مسيرته مجموعة من كلاسيكيات السينما المصرية، بينها "بين السما والأرض"، و"مراتي مدير عام"، و"القاهرة 30"، و"العيب"، و"معبودة الجماهير"، و"المتمردون"، و"يوميات نائب في الأرياف"، و"المومياء".
وكان من أبرز أدواره شخصية "عبد القوي" في "مراتي مدير عام" عام 1966، كما جسد في "القاهرة 30" والد محجوب عبد الدايم، في واحد من الأدوار التي أبرزت قدرته على التعبير عن القهر والغضب والألم الإنساني، وتنوعت شخصياته بين الأب والموظف والفلاح والرجل الشعبي، ما جعله واحدًا من أشهر ممثلي الأدوار المساندة في جيله.

عائلة فنية ممتدة
امتدت علاقة عائلة نور الدين بالفن إلى ابنه الفنان نبيل نور الدين، الذي اختار السير على خطى والده والتحق بقسم التمثيل والإخراج في المعهد العالي للفنون المسرحية، قبل أن يصبح هو الآخر عضوًا في فرقة المسرح القومي، وتشير دراسة نشرتها جريدة "مسرحنا" التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة إلى أن شفيق نور الدين أنجب ستة أبناء، أربع بنات وولدين، وكان نبيل الوحيد بينهم الذي اتجه إلى الاحتراف الفني.
وتكشف سيرة نور الدين أيضًا جانبًا من معاناته قبل الاستقرار الفني؛ ففي إحدى الفترات التي عانى فيها المسرح من أزمات اقتصادية، عاد إلى قريته وعمل مع والده في تجارة القطن، كما افتتح متجرًا صغيرًا لتوفير دخل لأسرته، قبل أن يعود مجددًا إلى عالم المسرح ويواصل الرحلة التي صنعت اسمه.

رحيل بعد مسيرة حافلة
حظي شفيق نور الدين بالتكريم خلال مسيرته، وحصل على وسام العلوم والفنون عام 1963، كما نال جوائز عن عدد من أدواره السينمائية، ومن بينها أعمال مثل "شياطين الليل" و"جفت الأمطار"، وبقي حتى سنواته الأخيرة حاضرًا في المسرح والإذاعة والتلفزيون إلى جانب إرثه السينمائي الكبير.
ورحل شفيق نور الدين في فبراير 1981 عن نحو 70 عامًا، بعد رحلة فنية امتدت لعقود، وتختلف المصادر في تحديد يوم الوفاة بين 13 و14 فبراير، فيما تذكر مصادر صحفية وفنية عدة يوم 14 فبراير 1981، وبقيت شخصياته، من سائق "سكة السلامة" و"علي الطواف" في "عيلة الدوغري" إلى أدواره في "مراتي مدير عام" و"القاهرة 30"، شاهدة على ممثل استطاع أن يصنع حضوره من تفاصيل الشخصية لا من مساحة الدور.
التعليقات