يبدو أن ركوب القطار به متعة خاصة تصحبني دوما.
في طريق عودتي من القاهرة للإسكندرية وسط المزارع والحقول الغنّاء، تصادف أنني رأيت نوع من الأشجار العاري من الأوراق يحمل جذوع كثيفة جدا وفي قواعد الأفرع تكتلات ما تشبه أعشاش الطيور.
حقيقة المنظر كان يبدو خلابا لكني لضعف بصري لم أستطع أن أميز هل هي بالفعل أعشاش أم تكتلات ورقية في طور النمو الأول.
جلست طوال الطريق أحاول التقاط بعض الصور وأنا في القطار. المسافة بعيدة لكن الموسيقى الدافئة في أذني جعلت الرحلة أكثر جمالا.
تأتي الصور من الموبايل مهزوزة أو بعيدة بطريقة يتعذر معها التعرف على هذا الشيء البديع الذي يسكن الأشجار.
أمضيت ساعة إلا ربع في محاولات حثيثة وتحول الموضوع إلى تحدي حقيقي، خاصة أني تعرضت اليوم في العمل لموقف يبدو محرج.
ففي طريق مغادرتي مبنى العمل كان نور الكوريدور مطفأ ولاحظت اثنتان من الزميلات تتحدثان. ألقيت عليهن السلام وعند هبوط السلم وجدت إحداهما تنادي عليا .. د. رحاب!
صعدت واقترب فوجدتها زميلتي من الإسكندرية د. منى زميله ثلاثون عاما، لكني لم أميز شكلها في الظلام.
اصطحبتها في رحلتي لرمسيس في الأتوبيس السعيد المليء بالحياة.
كان أول ما تبادر من الحديث بيننا، لماذا تركتي عينيك هكذا؟ قلت لها "أنا كده تمام وزي الفل ديه أحسن نتيجة وصلتلها واللي عايزني أعرفه في الضلمة يتكلم ويقول هو مين أو يرد السلام وخلاص". ضحكنا وحمدنا الله على نعمة الصحة والعافية.
حقيقة لم يزعجني الموقف فقد تعودت أن استمتع بكل نعم الله واكتفي بما وهبني سبحانه وتعالى منها، لكني توقفت عند قدرة الإنسان على التخلص من العوار الذي يصاحبه.
كل شيء بيدك يا صديقي!
نكمل قصة الأعشاش، أنا شخص أحب أن اتحدى نفسي، ظللت طوال الطريق في محاولات حثيثة للتعرف على الشجرة وهل تحمل أعشاش بالفعل أم أوراق. رغم أنه في كلتا الحالتين منظرها كان خلابا لكن تحدي المعرفة والمحاولة والمعافرة غلبتني.
ثم هدأت حركة القطار فجأة فإذا بي أرى الشجرة على جانب شريط القطار مباشرة بنفس هيئتها وكأن الله يراضي قلبي. تعرفت عليها وهي شجرة "لوسينيا" ولم تكن تحمل أعشاش بل كلها تكتلات ورقية وليدة بديعة.
ربما يمر الموقف على الكثير منا دون أن يسترعي انتباهه أو ربما يراني البعض بالغت في التحدي لأني أجد الوقت لذلك، لكن هذه لم تكن الحقيقة.
صديقي .. أحدثك عن الطريقة المثلى لتمر في دنيتك دون خدوش أو ندوب أو آلام.
أنت مخيّر في طريقة تَلَقي أقدارك!
أنت مخيّر في التفاعل الجيد في دنيتك، ومخيّر كذلك في اجتلاب السعادة واجتناب البؤس وحقد النفس وكبت شهوة تلقي المزيد.
هل تعرف شخص واحد واحد فقط لديه كل ما يتمنى؟ من منا قادر على الاحتفاظ بصحته وشبابه؟ هل نسينا أننا في دار إبتلاء؟ وهل تستحق جزء من نعمة ما تسلب منا أن تسلبنا بهجة العيش وحلو أيامه؟
سيدي لو وقفت تعد كم التحديات والمعرقلات التي مررت بها على مر عمرك سيحدث لك شيء من إثنين. إما أن تصاب بالزهو وتضل طريق من أمَّن لك رحلتك فتصبح بعد قليل من الوقت المختال الغبي في مهب الريح.
أو أنك تتمسك بكونك تحب أن تظل شخص لا يُهزم وأنك تدرك أن كل ما سلب منك وكل ما أُعطيت هو قدرك، وأن أسباب سعادتك متعلقة فقط بقرار واحد وهو أنك تحب أنك تستحق أن تكون سعيدا.
كل التحديات التي مرت عليك هي ما تجعل منك الشخص الناضج الجميل الذي أنت عليه اليوم. لا أحد يتمنى الأقدار القاسية لكنها وحدها التي تنثر بذور الرضا في قلبك وتعلمك أن ترحب بمتبقيات الحياة بداخلك.
كل ما أُخذ منك ينير ما تَبَقى لديك، وكل ما أُخذ منك بطريقة أو بأخرى يعود إليك!
صديقي سيذهب معك عقلك إلى المكان الذي تشير إليه، وستبقى روحك تحت ظل الأشجار البديعة لو أبقيتها هناك.
غافل أقدارك القاسية بتجاهلها فتتوه شدتها عن الطريق إلى قلبك.
لا يهمني التفاصيل التي فقدتها فهذا هو قدري الذي أحبه، بل يعنيني ما أبقى الله لي من نعم، ولو أني فقدت نعمة ما لأن هذا قدر الله سأكون قد استمتعت بحق بباقي الأنعم التي تركها لي ولم اعتبرها حق مكتسب لي في الحياة.
أحببت قدرا كان من الرحيم رسالة .. قرأتها بتَّوْأُد عمرا وليس في عجالة
مرحبا بما وهبني أو سلبني .. سلمت بين يديك، ما أبقيت أو أخفيت يجعلني في أكرم حالة
أصبت من دنيتي وطرا فلا اضنتي ولا شيبتني لعلمي بأني رحّالة
أَدِم عليا بصيرة وهبتني إياها .. ولتُدِم أعشاش الرضا بقلبي وتغشاني أصالة
أني لك وبك راضية مرضية .. حتى ألقاك هنية غنية في أكرم حالة
التعليقات