ينتمي الشاعر أحمد سويلم (1942) إلى جيل الستينيات في الشعر المصري المعاصر، واتجه في أعماله نحو المسرح الشعري وأدب الطفل والقضايا القومية غير الصدامية مع السلطة. وهو يميل إلى البساطة والوضوح، واستخدام لغة سهلة ومستساغة، خاصة في دواوينه الموجَّهة للأطفال. وهو يعد من أبرز من واصلوا كتابة المسرح الشعري في جيله سواء للأطفال أو الكبار. وتبتعد صوره الشعرية عن التعقيد الذهني، وتميل نحو الرشاقة والجمال الفني الهادئ. ومن أهم ركائزه الأدبية: أدب الطفل، والقيم التربوية والدينية، والقضايا القومية (مثل قضية فلسطين)، والحب الإلهي. ومن أشهر أعماله: مسرحيات شعرية مثل: "أخناتون" 1982، و"شهريار" 1983، و"عنترة" 1991، وديوان "الطريق والقلب الحائر" 1967، والعطش الأكبر" 1986 و"الشوق في مدائن العشق" 1987، و"قليل من البوح يكفي" 2024، بالإضافة إلى دواوينه ومسرحياته للأطفال المتعددة مثل "أنا وأصدقائي"، و"معركة الحروف" و"أحلامي الجميلة"، وعشر مسرحيات للأطفال، وحكايات وأغاني كامل كيلاني وغيرها.
استخدم سويلم "التراث" كركيزة أساسية لبناء نصوصه، واتخذه كـ "وعاء قيمي" وبناء درامي للمسرح والطفل. ووظَّفه كـ "قيمة وبناء"، واتجه نحوه برؤية "أخلاقية ومعرفية"، مركّزاً على الجوانب التربوية والدرامية. وقد استلهم شخصياته التاريخية (مثل أخناتون وشهريار وعنترة) ليُسقط عليها صراعات فكرية وفلسفية حول الحق والجمال، مستفيدًا من البناء الدرامي للتراث العربي. إنه تأثَّر بشكل عميق بـ "القرآن الكريم" والشعر في بعض عصوره القديمة، وخاصة شعر المتنبي (قصيدة "في حضرة المتنبي" على سبيل المثال)، حيث اتخذ من مفرداتهما معجمًا شعريًّا يُضفي طابعًا من الرصانة والجمال الفني على قصائده. وفي أدب الطفل (نثره وشعره) استطاع أن يوظّف السير والملاحم العربية (مثل سيرة الفتى العربي) لتقديم نماذج بطولية وقيم قومية للأجيال الجديدة ببساطة ووضوح، بهدف الحفاظ على الهويّة العربية، وترسيخ القيم الأخلاقية، وتقديم فن جميل يربط الجمهور بجذوره الشعرية والثقافية.
لقد جاء التراث عند أحمد سويلم تعليميًّا وجماليًّا، يهدف لبناء الوجدان والقيم. وقد استهلم شخصية "أخناتون" من التراث المصري القديم لتقديم رؤية مسرحية فلسفية حول الصراع بين التوحيد والوثنية. إنه لم يهتم بالثورة السياسية بقدر اهتمامه بـ "ثورة الروح". أخناتون عنده هو رمز للبحث عن الحقيقة والجمال المطلق. وعلى ذلك يركز نص سويلم على قيم التسامح والوحدانية، محاولاً إيجاد جذور لهذه القيم في التاريخ القديم لتعزيز الهوية. وقد اعتمد على لغة مسرحية شعرية تمتاز بالانسيابية والرقة، وتبتعد عن الصخب والضجيج، وتعتمد على الحوار الفلسفي الهادئ. إن التراث عند سويلم وعاء إنساني؛ يهدف إلى بناء وعي وجداني يقدس الحق والجمال، بعيدًا عن الصراعات المباشرة. وفي "أخناتون" كان التراث المصري القديم هو "المرآة" التي يعكس فيها الشاعر القيم الخالدة.
تبنى الشاعر شعر التفعيلة كإطار أساسي لأشعاره، اتسم بالتدفق "الغنائي" والانتظام الدرامي. ليكون طوع الأداء، سواء في المسرح أو لأذن الطفل. وامتازت تفعيلاته بالمرونة والرقة. إنه يختار من البحور "المجزوءة" أو القصيرة – خاصة في شعر الأطفال - التي تناسب أدب الطفل وتسهل الحفظ والترديد.
وفي مسرحياته، يوزع الموسيقى بين الشخصيات بشكل يحافظ على انسيابية الحوار؛ فلا يشعر القارئ أن الشعر يعيق تدفق الكلام الطبيعي. أما قوافيه فهي متنوعة وتميل إلى "المقطوعات" حيث يغير الشاعر القافية كل بضعة أسطر لخلق تنوع سمعي يطرد الملل، خاصة في النصوص الطويلة. إنه يبتعد عن التعقيدات الصوتية أو الكلمات الوعرة، فالموسيقى عنده تخدم الجمال الهادئ والوضوح الفكري.
وقد تجلَّى لنا أن معجم أحمد سويلم معجمًا "تهذيبيًّا" ومرتبطًا بالقيم والجمال والتصوف.
يقول سويلم لشيخه في ديوان "قليل من البوح يكفي":
اتركني .. إني ضقتُ بأغلالي
اتركني .. أشقى وأصارعُ أمواجي
أتذوقُ طعمَ النشوةِ في شفتي
تميز لفظ سويلم بالانتقاء الجمالي والوضوح النسبي الذي يناسب المسرح والطفل. لذا كثرت ألفاظ ومفردات القيم في شعره مثل (الحق، الجمال، الشمس، النور، الصداقة، الوفاء، الصلاة). إنها هي لغة تبشر بالخير والإيمان. وهو يبتعد عن الكلمات الوعرة أو المهجورة؛ فالمفردة عنده وسيلة لإيصال فكرة تربوية للأطفال أو شعور إنساني رقيق للكبار.
أيضا اتسمت قصائد سويلم بالمعجم الصوفي/الإلهي، حيث نرى في ألفاظه أحيانًا مسحة روحانية صوفية، خاصة في "الشوق في مدائن العشق"، أو "قليل من البوح يكفي" على سبيل المثال، أو في مسرحياته التي تتناول شخصيات باحثة عن الحقيقة مثل "أخناتون" و"عنترة". إن اللفظ عند سويلم "لوحة"؛ يهدف من خلاله إلى رسم صورة جميلة ومستساغة تُريح القارئ وتجذبه.
يقول سويلم:
لم ألوِ لساني بلغاتٍ أخرى
تُسلبني رعشةَ قلبي
تُشْقَي شغَفي المتجددَ في شفتي
حتى شَعري الأشيبَ
حملَ جدائلها
وليس هناك شك أن كفر الشيخ والقاهرة منحتا الشاعر فرصة الانفتاح الثقافي والاستقرار المؤسسي. فنشأته في مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ (بالوجه البحري) لأب محب للشعر والتصوف، ثم استقراره في القاهرة، طبعت مسيرته بطابع مختلف، حيث مكَّنته بيئة القاهرة الأدبية والثقافية من الاحتكاك المباشر بالمؤسسات الثقافية، فانخرط في العمل الصحفي (دار المعارف) وكان عضوًا لسنوات طويلة في مجلس إدارة اتحاد الكتاب، ودار الأدباء ونقابة الصحفيين. وجاءت لغته أكثر مرونة وملاءمة للشعر الدرامي والمسرح الشعري والجمهور العريض. وقد انعكس استقراره الاجتماعي والمهني على غزارة إنتاجه وتنوعه؛ فهو لم يكتفِ بالشعر، بل كتب الكثير من الدراسات الأدبية والنقدية والبحوث الشعرية، ودخل عالم الأطفال والدراما الإذاعية والتلفزيونية.
وقد حظي سويلم بتقدير مؤسسات الدولة، فنال جوائز الدولة التشجيعية (1989) والتقديرية (2016) وجائزة كفافيس (1992)، مما يعكس تصالحه مع المحيط الثقافي الرسمي وقدرته على التأثير من داخل المنظومة الثقافية.
لقد استثمر أحمد سويلم أجواء المدينة وثقافتها المتنوعة لبناء مشروع أدبي متكامل يجمع بين الشعر والبحث والتربية والتقدير الرسمي من داخل وزارة الثقافة وهيئاتها المختلفة.
التعليقات