ثمّة لحظاتٌ تتكشّف فيها الطبيعةُ الحقيقية للإعلام!، لا بوصفه معبرا أميناً عن الوقائع والمجيات، بل باعتباره ساحةَ معركةٍ موازية لها قواعدها وضحاياها! في زمن الحرب، تتحوّل الكلمةُ إلى رصاصة، والصورةُ إلى قنبلة، والسردُ إلى أداة هيمنة، وما يجعل هذه المعركة أشدَّ خطورةً من ميادين القتال أنها تدور في العقول والمشاعر، في المساحة التي يظنّ كثيرون أنهم فيها آمنون.
الإعلامُ في وقت الحروب: تشريحُ ظاهرة
لا يوجد إعلامٌ محايد في الحروب.. حقيقةٌ تُثبتها مائةُ عامٍ من الدراسات الإعلامية، فمنذ وزارات الدعاية في الحرب العالمية الأولى، حتى خوارزميات اليوم، ظلّ الإعلامُ يؤدّي وظيفتَه المزدوجة: يُخبر ويُقنع في آنٍ معاً، والخطرُ الحقيقي يكمن في التداخل بين الدعاية الرسمية أو الملونة والمؤد لجة، والإعلام المستقل والإعلام الشعبي الرقمي حتى يتعذّر الفصلُ بينها.
الدماغُ تحت النار: الآليات النفسية!
في أوقات التهديد، تُهيمن( اللوزةُ الدماغية) — مركزُ الاستجابات العاطفية — على معالجة المعلومات متجاوزةً مراكزَ التفكير النقدي، ويُفضي هذا إلى ثلاث ظواهر متشابكة: التحيّزُ التأكيدي الذي يدفع المتلقّي للبحث عمّا يُعزّز قناعاته لا ما يُصحّحها، والتطبيعُ التدريجي حين تتحوّل المأساةُ بتكرارها إلى خبرٍ عادي، ويفقد الجهازُ العصبي استجابتَه العاطفية، وأخيراً سلطةُ التأطير حيث يُصبح المشهدُ الواحد بطولياً أو إجرامياً وفقاً للغة التي تحتضنه.
المعلومةُ المُسلَّحة: إرهاقُ الحقيقة!
في عصر الذكاء الاصطناعي، باتت الحربُ النفسية أداةً رخيصة في متناول الجميع.. والهدفُ الخفيّ لكثيرٍ من حملات التضليل ليس إقناعَك بكذبة بعينها، بل جعلُك تفقد الثقةَ بمفهوم الحقيقة أصلاً !— وهو ما يُسمّيه الباحثون "إرهاق الحقيقة". فحين تتزاحم الروايات المتناقضة، ويغرق المتلقّي في فيضٍ من المعلومات المتضاربة، يستسلم معرفياً، لاجئاً إلى السردية الأكثر انسجاماً مع هويّته لا مع الواقع.
نحو تحصينٍ معرفي: الجمهورُ ليس ضحيةً سلبية
البحوثُ الحديثة تؤكّد أن المقاومةَ الإعلامية ممكنة حين تتوفّر ثلاثةُ أصول: الوعيُ الميتا-إعلامي (معرفة كيف يعمل الإعلام)، وتحمّلُ الغموض دون استسلام، والشكُّ المنهجي في المصادر والدوافع. أمّا "نظريةُ التطعيم المعلوماتي" فتقترح تحصينَ العقل كما يُحصَّن الجسم: بجرعاتٍ مُتحكَّم بها من التضليل المُفكَّك ونقده، تبني مناعةً معرفية قبل أن تضرب الرصاصةُ الإعلامية هدفَها!
الإعلاميّ: شاهدٌ يحترق.!
تكشف دراساتُ لجهات حماية الصحفيين أن أكثر من 60% من مراسلي مناطق النزاع يُعانون من أعراض الصدمة النفسية الثانوية، وأن بعضهم لجأ إلى التوحّد العاطفي مع أحد أطراف الصراع كآليةٍ دفاعية. وهنا يطرح السؤالُ المقلق نفسَه: هل يمكن لمن فقد حيادَه النفسيَّ أن يحتفظ بحياده المهني؟
خاتمة: اليقظةُ الإعلامية الرحيمة
الجوابُ عن كلّ ما سبق لا يكمن في السذاجة المعلوماتية ولا في البارانويا المعرفية، بل في ما يمكن تسميته "اليقظةِ الإعلامية الرحيمة": متابعةُ الأحداث بعينٍ نقدية دون عدمية، ومسؤوليةٌ أخلاقية تجاه كلّ ما نُعيد نشره، إدراكاً بأن كلَّ تغريدةٍ قرارٌ أخلاقي. فـ"إذا أردتَ معرفةَ أيّ مجتمع، فانظر إلى إعلامه في لحظات أزمته..، وفي عالمٍ لا تنقصه الأزمات!، ما أحوجَنا إلى إعلامٍ يرقى إلى مستوى إنسانيّته.
أستاذ مساعد جامعة ليوا
التعليقات