قراءة في تمثيل الهُوية والسرد
مقدمة
"ترنيمة إيزيس" رواية وجودية في ثوب تاريخي أسطوري، تتخذ من ثيمة البعث والهوية المتصدعة وثنائية الحياة والموت وتداخل الواقع بالخيال نهجا سرديًا فريد البنية.
تقدم رواية "ترنيمة إيزيس" لقارئها منذ صفحاتها الأولى عالمًا يختلط فيه التاريخ بالأسطورة، وتتشابك فيه الذاكرة الإنسانية مع الحُلم، في محاولة لإعادة سرد واحدة من أكثر السير غرابة في تاريخ علم الآثار: سيرة دوروثي إيدي لويز، المعروفة بأم سيتي. غير أن الرواية، وهي تنسج هذا العالم المفعم بالروحانيات والرموز، تطرح في الوقت نفسه سؤالًا نقديًا مهمًا يتعلق بزاوية الرؤية التي يُقدَّم من خلالها هذا التاريخ.
فعلى الرغم من أن أغلب أحداث النص تتحرك داخل فضاء مصري خالص — من أبيدوس إلى الأهرامات إلى قرى الصعيد — فإن السرد كثيرًا ما يبدو وكأنه ينظر إلى هذا الفضاء من خلال وعي آخر، هو وعي البطلة الأوروبية التي تتبنى الرواية منظورها بدرجة كبيرة. ومع هذا التماهي، يبدأ القارئ في ملاحظة انزياح دقيق في مركز الرؤية؛ إذ تتحول مصر أحيانًا من ذاتٍ سردية فاعلة إلى فضاء تتحقق فيه رحلة البطلة نحو اكتشاف نفسها.
ومن هنا تنبع أهمية قراءة الرواية لا بوصفها حكاية عن التناسخ أو عن شغف امرأة أوروبية بالحضارة المصرية فحسب، بل بوصفها نصًا يفتح باب التساؤل حول موقع الصوت المصري داخل الحكاية: هل نحن أمام رواية تُعيد كتابة تجربة دوروثي من الداخل المصري؟ أم أمام سرد يتبنى رؤيتها للعالم حتى يكاد يبدو — في بعض لحظاته — أقرب إلى عمل مترجم عن سردية غربية؟
تحاول هذه القراءة أن تتوقف عند هذه المفارقة، مستكشفةً كيف يتشكل التعاطف السردي في الرواية، وكيف يتوزع مركز الرؤية بين البطلة ومحيطها، وما الذي يحدث حين تُروى مصر من خلال عين جاءت إليها عاشقةً لتاريخها، لكنها تظل — في النهاية — عينًا أخرى.
أولًا: البنية الكلية للرواية
هناك نقطة تلاق أو تماس، فالرواية يمكن وصفها بدائرة بعث تقوم على دائرتين متوازيتين:
دائرة يونس/مروان
دائرة دورثي/بنتريشيت
الدائرتان تلتقيان عند نقطة مركزية:
أبيدوس. الذي يقدم كبوابة زمنية، أو مركز عبور الأرواح، كنقطة تصالح بين الماضي والحاضر، لا كفضاء روائيٍ فحسب.
ثانيًا: العنوان والإهداء والمقدمة – تأسيس الدلالة
1- العنوان: "ترنيمة إيزيس"
يحمل العنوان تركيبًا مزدوجًا يجمع بين:
الترنيمة: صوت تعبُّدي، إنشاد طقسي، فعل استحضار روحي.
إيزيس: رمز الأمومة، البعث، السحر، وإعادة إحياء الميت في الميثولوجيا المصرية.
إيزيس في الأسطورة هي التي أعادت تجميع أشلاء أوزيريس وبعثته من الموت؛ ومن ثم فإن اقتران "الترنيمة" باسمها يوحي منذ البداية بثيمة البعث، واستدعاء الماضي، وإحياء ما فُقد.
وهذا ينعكس بوضوح على:
موت يونس الرمزي وولادته من جديد باسم مروان.
موت دورثي وعودتها.
حضور الأرواح والعوالم غير المرئية.
العنوان إذًا ليس زخرفًا أسطوريًا، بل مفتاحًا تأويليًا يؤسس لثيمة:
الهوية الممزقة بين موتين وحياتين.
سيميولوجيا العنوان تتعامل مع جسد مفكك -مروان ويونس- وروح مرتحلة عبر الزمن دورثي
إذن الرواية منذ العنوان تؤسس لفكرة: البعث من خلال الصوت الانثوي وتصبح الرواية نفسها إعادة إحياء للهوية المفقودة. والصوت حاضر في الرواية بشكل مدروس، حيث يؤكد العنوان ذلك بتركيزه على حاسة السمع في الترنيمة، والعودة الى العمق التاريخي والحضاري من خلال إيزيس.
الترنيمة: والنداء الليلي لتلك الاصوات في البيت المهجور هو علامة تُسمع مع غياب الرؤية الليلية
كذلك لحظات الصمت لا تمثل فراغا، فإذا كان الكلام يدل على الظاهر، فالصمت يشير الى المخفي، حتى صوت الماء والنهر يحمل معنى وجوديا معبرا عن الانتقال وتغير الحال،
كذلك العصا في الحلم، حين تلمس الرأس التي تمثل الوعي، هي ليست علامة بصرية فقط بل تمثل السلطة والحسم في مقابل الترنيمة الناعمة الخاشعة.
2- الإهداء: "إلى الرجل الذي جعلني أطمئن"
الاطمئنان في النص هنا هو مقابل القلق الوجودي.
يونس عاش قلق التقمص، ودوروثي عاشت قلق الانقسام الروحي.
الإهداء يلمّح إلى:
الرجل الذي يمنح الأنثى أمان الهوية.
وهذا يتقاطع مع:
ستي بالنسبة لبنتريشيت
ديفيد بالنسبة لدوروثي، بل الحقيقة ان دور إمام من أهم الأدوار في حياتها وكذلك والس بادج،
مروان أو يونس بالنسبة لكريمة
لذلك رَبط الإهداء بذكاء شديد بين واقع الكاتبه وأحداث الرواية، وألمح بلطف عن المحفز الذي دعاها لخوض تلك الأحداث وتوثيقها في عمل فريد.
3- اقتباس ديل كارنيجي Dale Carnegie
"تتحقق كثير من الأشياء المهمة في هذا العالم، لأولئك الذين أصروا على المحاولة، على الرغم من عدم وجود أمل".
الاقتباس يتحدث عن الإصرار رغم غياب الأمل وهذا هو جوهر الرواية من وجهة نظري:
فالرواية في جوهرها تقوم على تحقيق وصية أم سيتي في مكان وطقوس دفنها، وهي الوصية التي لم تتحقق في الواقع. ولأن النص ينطلق من تعاطف واضح مع إصرارها على الارتباط بعالم أبيدوس، فإنه يفترض واقعًا روائيًا بديلًا يُستجاب فيه لهذا الحلم؛ إذ يظهر مبعوثٌ مكلَّف — يونس أو مروان — ترسله كائنات غامضة كانت على صلة بها، فيتولى تنفيذ الوصية، وكأن أم سيتي كانت على يقين من وجوده وتنتظر مجيئه.
كذلك دورثي أصرت على حقيقة روحها، حيث تشعر ببنتريشيت تحيا بداخلها، فصارالإصرارُ فعل َبعثٍ إرادي.
نكتشف من خلال السرد برمزيته وغموضه أن رواية "ترنية ايزيس" ليست رواية تقليدية تعتمد على أحداث بعينها بل هي رواية علامات، الأحداث نفسها تحيل إلى رموز تنتظر التأويل.
ثالثًا: يونس- مروان — الهُوية المزدوجة
الاسم في النص هو استخدام لتقنية القناع فيونس الذات الأصلية المهمشة المرفوضة، ومروان الذات المقدرة المحبوبة التي عاش يونس بوجهها بين الناس.
- الموت بوصفه ولادة
موت مروان هو لحظة ولادة يونس.
المشهد خلف ماكينة الري على الدرجة الخرسانية الأخيرة ليس مجرد حادث؛
بل كان سقوط مروان، بمثابة قربان ليحيا يونس.
2- ارتداء يونس النظارة والمعطف اثناء العاصفة عند الهرم
حين يرتدي يونس نظارة أخيه هي رؤية من منظورالآخر، والساعة تمثل استعارة زمن آخر يعيشه بدلا عن أخيه، والمعطف البالي يمثل دفء الأب ويمثل السلطة التي شارفت على الانتهاء وشرعية وجوده كمروان. بهذه العناصر المنتقاة؛ يعيد يونس كتابة ذاته عبر أدوات الآخر، فالهُوية هنا ليست جوهرا داخليا عميقا بل تركيبة رموز ظاهرية تؤكد فكرة القناع الذي ارتضى أن يعيش به
هو يعيش كمروان، لكنه لا يزال يحب الأب الذي كرهه.
الهوية هنا ليست تمردًا كاملاً، بل مزيجًا من الرفض والحنين .
3- جملة: "أعتقد دوما أن نصفي ميت ونصفي الآخر على قيد الحياة"
هذه الجملة تلخص البناء السيميولوجي كله للتوتر الوجودي وتمزق الهوية.
فيونس نصفان.
ودوروثي نصفان. جسد حديث يتداخل مع ذاكرة قديمة لا تنتمي لزمن واحد، يمكن اعتبارها جسرا يمثل منطقة عبور الروح في الأزمنة المختلفة.
حتى التابوت الذي تم وضع دورثي الطفلة فيه؛ وهو رمز للموت، تحول دلاليا إلى رحم ثان ولدت منه دورثي من جديد، حيث يمثل الموت في الميثولوجيا المصرية، عودة إلى رحم الأرض، ومن هنا كان الرابط بين دورثي الطفلة في عالمها الحديث وبنتريشت التي انبثقت من روحها كمخزون وجد طريقه للتحرر.
حتى بنتريشيت نفسها؛ نصفان (كاهنة تحيا حياة المعبد الجافة، لكنها امرأة عاشقة تمقت تلك الحياة، تبحث عن الحب وتتنظره).
الرواية كلها تعيش في منطقة بين-بين، وهو ما خلق حالة من التوتر تناسب جو الرواية وأحداثها المربكة.
رابعًا: الصندوق والمخطوطات — حجر رشيد روحي
ففكرة الثلاث لغات تتماس مع حجر رشيد.
وسيميائيا:
الإنجليزية = العقل الغربي الحديث
العربية = الحاضر المحلي وهي لغة ركيكة في صياغتها غير واضحة أو مفهومة
الهيروغليفية = الذاكرة الكونية.
فالحقيقة موزعة بين ثقافات متعددة تحتاج أكثر من لغة لتفهم من كل زواياها
حيث يبدو يونس وكأنه يترجم دوروثي، لكنه في الحقيقة يترجم نفسه.
خامسًا: دوروثي/بنتريشيت — هل هي ثنائية التناسخ أم الذاكرة الوراثية؟
وهي شخصية مستلهمة من قصة حياة Dorothy Eady لكن الكاتبة رحاب عمر توسعها روائيًا.
وهنا يظهر سؤال خطير كما أشرتِ:
هل هي حفيدة الفراعنة؟ أم ذاكرة وراثية (Epigenetics)؟ أم تناسخ؟ أم هي القرين؟ النص لا يحسم، وهنا تكمن قوته.
لكن الغيبوبة الأولى بعد السقوط من السلم = عبور أول.
الغيبوبة الأخيرة = عبور نهائي.
الممر المائي المتكرر في حلمها هو رمز عبور الروح.
سادسًا: ستي — الرجل المرآة العاكسة لحياة بنتريشيت
سيتي في الرواية ليس مجرد ملك تاريخي.
هو: صورة الأب المثالي، والرجل الذي يرى حقيقتها، وهو مرآة الذات الأنثوية
في قوله:
"أشعر أنني ألتقي ذاتي الحقيقية حين ألتقيك"
هذه جملة توضح أنه يحتاجها كما تحتاجه.
لكن: حبه يتحول إلى قيد حين يمنعها من حب غيره.(ديفيد) فهي لم تحب إمام إذن بقدر ما أحبت حضارته، فاتخذته جسرا للعبور إليها.
هنا يظهر صراع:
الحب الروحي "سيتي" مقابل الحب الإنساني. "ديفيد"
سابعًا: أم سيتي والقرية — صدام الحداثة والخرافة
نساء القرية يكرهنها.
الأطفال يرمونها بالحجارة.
لماذا؟ لأنها: مختلفة، عالمة، امرأة مستقلة
بينما كريمة تمثل الامتداد العصري للأنثى الرافضة لفكرة الدرجة الثانية.
الرواية تدين النظام الذكوري الريفي،
لكنها لا تجعله شيطانًا مطلقًا (أحمد سليمان الحارس، الشيخ إبراهيم من أحب دورثي، نماذج إنسانية) جديرة بالتقدير.
ثامنًا: مشهد الزفاف — ذروة الترنيمة
مشهد ظهور الكاهنة السمراء حول الهرم الأكبر هو:
تداخل الأزمنة اكتمال الدائرة، اعتراف الروح
عندما يسمع صوت أم سيتي تقول: «مبروك يا يونس» يتحرر الاسم أخيرًا. لم يعد مروان؛ لقد عاد يونس، ولكن هذه المرة دون صراع. وليس هذا التحول جديدًا تمامًا، بل يتكرر كما حدث عند لحظة وفاة الأم، وكأن الرواية تلمّح إلى أن الروح، حين تقترب من التحرر من وعاء الجسد، تنكشف عنها الحجب وتظهر حقيقتها التي ظل الجسد يخفيها، ففي لحظات العبور تلك ينفلت الاسم الحقيقي من قيوده، وتستعيد الروح هويتها التي كانت حبيسة داخل سجن الجسد.
الترنيمة في النهاية ليست لبنتريشيت وحدها، بل ليونس أيضا، هي " ترنيمة البعث".
تاسعًا: الثيمة الكبرى
الرواية ليست عن تناسخ فقط.
هي تتبنى أيضا تفسير:
الهوية الممزقة
المصالحة مع الأب
الأنثى التي تعيد كتابة التاريخ
العلاقة بين العلم والإيمان
مصر كأرض اكتمال روحي
عاشرًا: خلاصة تأويلية شاملة
"ترنيمة إيزيس" الرواية عن:
كيف يَعبر الإنسان ظله ويتخطاه ليولد من جديد باسمه الحقيقي.
يونس خرج من ظل أخيه.
دوروثي خرجت من ظل الطب.
بنتريشيت خرجت من ظل الكهنوت.
كريمة خرجت من ظل المجتمع.
فالترنيمة في النهاية ليست مجرد طقسًا فرعونيًا،
بل إعلان ولادة
لغة الرواية:
لغة الرواية من أبدع ما يكون في مفرداتها وتراكيبها؛ فهي تنقل القارئ من عالم الواقع إلى عالم السحر والتخييل عبر لغة ذات بريق خاص، تمتلك إيقاعًا آسِرًا ووقعًا مشحونًا بالحياة. كثير من الجمل لا تُقرأ مرة واحدة، بل تدفع القارئ إلى العودة إليها للاستمتاع بمذاقها المختلف وأناقتها التعبيرية. ورغم أن تصاعد الأحداث يخلق رغبة مستمرة في متابعة السرد واكتشاف ما سيحدث، فإن متعة اللغة نفسها كثيرًا ما تطغى على الحدث، فتتحول القراءة إلى حالة من التذوق الجمالي للنص بقدر ما هي متابعة لمساره الروائي.
زاوية السرد ومنظوره الحضاري
أولًا: إشكالية المنظور — هل الرواية تتكلم بعين مصرية أم بعين غربية؟
رغم أن الرواية تدور في مصر، وتتمحور حول الحضارة المصرية، فإن بعض المقاطع توحي بأن زاوية الرؤية أقرب إلى المنظور الغربي المتعاطف مع الشخصية الأوروبية أكثر من منظور مصري ناقد للتاريخ الاستعماري.
وهذا يظهر في ثلاث مناطق سردية واضحة:
1- تمثيل المؤسسات الغربية (المصحة – الطب – المجتمع الإنجليزي)
وصف المصحة والعائلة والطب الإنجليزي جاء بتفصيل إنساني حميمي:
الطبيب المتردد أخلاقيًا
ديفيد الباحث فلسفيًا
الجدة المحتفلة بعودة الروح
المشهد مصاغ بوعي إنساني غربي واضح،
بينما البيئة المصرية تُعرض غالبًا في شكل
الريف المتشكك
نساء القرية الغيورات والشيخ ابراهيم الهائم في جمالها
النظرة الخرافية
مما يُنتج انحيازًا غير مباشر: يظهرالغرب عقلاني متفكر، بينما الشرق انفعالي متوجس
وهو تقسيم كلاسيكي في السرديات ذات الخلفية غير المصرية.
2- مشهد وضع الزهور على قبر والس بادج (E. A. Wallis Budge)
والس بادج تاريخيًا أحد أبرز من ساهموا في نهب آثار مصر ونقلها إلى المتحف البريطاني.
لكن الرواية تقدمه بقدر من الاحترام الرمزي، المتمثل في الزهور التي تضعها على قبره ووصف روحه بالروح الطيبة والمعلم الذي علمها الهيروغليفية، أو على الأقل لا تمارس مساءلة أخلاقية تجاه دوره الاستعماري.
هذا الصمت السردي إزاء فعل النهب الحضاري يحمل دلالة مهمة:
من منظور مصري وطني: كان متوقعًا إدانة صريحة.
لكن النص يتعامل معه بوصفه: عالمًا، وإن كان شخصية مثيرة للجدل، إلا إنه جزء من مسار علمي، لا جزء من مشروع استعماري.
وهنا يتبدى أثر منظور أقرب إلى الرواية المترجمة منه إلى السرد الوطني.
3- تمثيل إمام عبد المجيد
شخصية إمام عبد المجيد تُبنى سرديًا كالتالي:
مثقف
مناهض للاحتلال
محب لدوروثي
لكنه في النهاية يطلقها
السرد يميل إلى تصويره كمن تخلّى،
بينما القراءة التحليلية تكشف أنه كان:
وسيلة لبقائها في مصر
جسرًا قانونيًا للهوية
أبًا تحمل مسؤولية الابن
الرواية لا تمنح هذا الجانب مساحة كافية من العدالة الأخلاقية.
وهنا يظهر خلل في توازن التعاطف:
تعاطف مكثف مع دوروثي
تعاطف أقل مع الرجل المصري الذي خدم حلمها
4- مركزية الذات الأوروبية
دوروثي تُعرض باعتبارها:
كاشفة الأسرار
مكتشفة الحديقة والسراديب
منقذة المعابد
صاحبة الرؤية الأصدق
بينما علماء المصريات المصريين (حتى سليم حسن) يظهرون غالبًا كدعم أو تصديق لها.
رغم أن سليم حسن شخصية علمية وطنية كبرى،
السرد يجعله أشبه بمن يؤكد حدسها، لا العكس.
هذا يعيد إنتاج سردية قديمة:
الغرب يكتشف الشرق
حتى لو كان الشرق أرضه.
5- بنية "المنقذ الأبيض" بشكل ناعم
الرواية لا تقع في الفخ مباشرة، لكنها تلامسه:
دوروثي:
تفهم الهيروغليفية، من علمها هو والس بادج
تعرف أماكن الأسرار
تحب المصريين أكثر من بعضهم
تعالج المرضى
تتحمل الأذى
هذه الصورة، رغم جمالها الإنساني، تقترب من نموذج:
الأوروبية التي ترى ما لا يراه أهل البلد.
وهو نموذج متكرر في الأدب الغربي عن الشرق.
6- مصر كفضاء روحاني أكثر منه واقعي
مصر في الرواية:
أرض قدر
وطن روحي
مسرح أسطوري
لكنها أقل حضورًا كواقع سياسي واجتماعي معقد.
الاستعمار يُدان نظريًا،
لكن لا يُحمّل الغرب مسؤولية تاريخية حقيقية في تهريب الآثار أو تشويه السرد الحضاري.
يمكن القول:
رغم أن "ترنيمة إيزيس" عمل مصري في موضوعه وفضائه، فإن بنيته السردية تكشف عن زاوية رؤية أقرب إلى التمثيل الغربي للحضارة المصرية، حيث تُمنح الشخصية الأوروبية مركز الكشف والتأويل، بينما تُختزل الشخصيات المصرية في أدوار داعمة أو اجتماعية مسطحة.
كما أن الرواية تمارس نوعًا من الحياد السردي تجاه تاريخ النهب الاستعماري للآثار، وهو حياد لا يتوافق تمامًا مع منظور وطني نقدي.
فالرواية تتبنى وجهة نظر دوروثي بالكامل، لذلك انزلقت — فنيًا — إلى خطاب يبدو أقرب إلى عمل مترجم عن سردية غربية منه إلى إبداع منطلق من مركز رؤية مصرية.
وأخيرا:
في النهاية "ترنيمة إيزيس" لا يبقى السؤال معلقًا حول حقيقة التناسخ بقدر ما يبقى حول الكيفية التي تُروى بها الحكاية. فالرواية، وهي تتبنى صوت دوروثي ورؤيتها، تمنح القارئ تجربة إنسانية غنية ومفعمة بالشغف بالحضارة المصرية، لكنها في الوقت نفسه تجعل هذا الشغف هو المركز الذي تدور حوله مصر ذاتها.
ومن هنا تبدو بعض التفاصيل وكأنها تبتعد قليلًا عن الحس المصري في النظر إلى التاريخ والرموز، إذ يُعاد تشكيل الواقع أحيانًا بما يخدم مصير البطلة وتجربتها الخاصة. ومع ذلك، تحاول الرواية في لحظاتها الأخيرة أن تمنح هذا الشغف اعترافًا إنسانيًا، حين تُستجاب وصية دوروثي بأن تُدفن في أبيدوس، وكأن النص يريد أن يرد لها – روائيًا – بعض ما رأت أنه دين حبٍ لمصر القديمة.
وهكذا تبقى "ترنيمة إيزيس" نصًا مفتوحًا على قراءات متعددة: يمكن أن تُقرأ بوصفها رواية عن البعث والذاكرة، أو عن التناسخ والأسطورة، أو بوصفها محاولة لإعادة سرد سيرة امرأة استثنائية. لكنها في جميع الأحوال تظل تذكيرًا بأن الحكايات الكبرى لا تُحكى من زاوية واحدة، وأن الطريقة التي نروي بها التاريخ لا تقل أهمية عن التاريخ نفسه.
التعليقات