هناك احتفالات تُحيي ذكرى، وهناك احتفالات تُجسد معنى. وفي كل عام، تحمل ذكرى الثالث والعشرين من يوليو قيمة وطنية راسخة في وجدان المصريين، غير أن الاحتفال بها على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة يكتسب بعداً إنسانياً وأخوياً استثنائياً، يجعل المناسبة تتجاوز حدود الاحتفاء بالتاريخ، لتصبح تعبيراً حياً عن عمق العلاقة التي تجمع شعبين ارتبطا بالمحبة والوفاء، كما ارتبطا برؤية مشتركة للمستقبل.
وخلال الاحتفال الذي تشرفت سفارة جمهورية مصر العربية في أبوظبي بتنظيمه، وبمشاركة نخبة من أصحاب المعالي والسعادة وكبار المسؤولين والدبلوماسيين والشخصيات العامة من دولة الإمارات، إلى جانب أبناء الجالية المصرية، لم يكن المشهد مجرد مناسبة بروتوكولية، بل كان لوحة عربية مضيئة تجسدت فيها معاني الأخوة الصادقة، والاحترام المتبادل، والثقة التي تراكمت عبر عقود حتى أصبحت جزءاً أصيلاً من العلاقة بين البلدين. ففي مثل هذه اللقاءات لا تتحدث الكلمات وحدها، بل تتحدث المشاعر، وتروي الوجوه، ويعبر الحضور عن حقيقة راسخة مفادها أن ما يجمع مصر والإمارات أكبر من أي توصيف سياسي، وأعمق من أي إطار دبلوماسي.
ويشعر المصري الذي يعيش ويعمل في دولة الإمارات بأنه بين أهله، يحظى بالتقدير والاحترام، ويشارك بإخلاص في مسيرة البناء والنهضة التي تشهدها الدولة، فيما ينظر الإماراتي إلى أخيه المصري بوصفه شريكاً في التنمية، وصاحب إسهام أصيل في مسيرة الإنجاز. وهذا الشعور المتبادل لم يكن وليد اللحظة، ولا نتاج ظرف عابر، وإنما هو ثمرة مسيرة طويلة من العلاقات الإنسانية التي سبقت العلاقات الرسمية، ورسختها المواقف الصادقة، حتى أصبحت نموذجاً عربياً يُحتذى به.
وتأتي ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتعيد إلى الأذهان محطة مفصلية في تاريخ الدولة المصرية، لم تكن مجرد تحول سياسي، بل كانت بداية لمسيرة وطن اختار أن يبني مؤسساته، ويعزز استقلاله، ويؤمن بقدرة شعبه على صناعة مستقبله. ومنذ ذلك اليوم، واصلت مصر مسيرتها بثبات، مستندة إلى إرث حضاري عريق، وإلى إرادة وطنية لا تعرف التراجع، وصولاً إلى ما نشهده اليوم من خطوات واسعة لترسيخ دعائم الجمهورية الجديدة، وتحديث مؤسسات الدولة، وتعزيز قدراتها، وإطلاق مشروعات تنموية كبرى تعكس رؤية واضحة للمستقبل.
إن الأمم العظيمة لا تتوقف عند صفحات تاريخها، بل تجعل من تاريخها منطلقاً لكتابة فصول جديدة من الإنجاز. ولذلك فإن استحضار ثورة يوليو لا يعني الوقوف عند الماضي، وإنما استلهام القيم التي صنعتها؛ قيم العمل، والإرادة، والاعتماد على الذات، والإيمان بأن بناء الدولة عملية متواصلة لا تتوقف عند جيل، وإنما تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.
وفي السياق ذاته، تمثل العلاقات المصرية الإماراتية اليوم أحد أبرز النماذج العربية الناجحة، بعدما نجحت، عبر عقود من العمل المشترك والثقة المتبادلة، في الانتقال من روابط أخوية راسخة إلى شراكة استراتيجية شاملة، تتسع عاماً بعد عام، وتزداد رسوخاً ونضجاً وتأثيراً.
وقد قامت هذه العلاقة منذ بدايتها على إرث تاريخي عظيم أرساه المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي سيظل اسمه حاضراً في وجدان المصريين بما جسده من مواقف أخوية صادقة تجاه مصر وشعبها. ولم يكن ذلك الإرث مجرد صفحات مضيئة في التاريخ، بل أصبح قاعدة انطلقت منها علاقة استراتيجية تتطور باستمرار، وتستند إلى الثقة والاحترام ووحدة المصير.
واليوم، تواصل هذه العلاقة مسيرتها في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وأخيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، حيث شهدت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية غير مسبوقة، شملت مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتنموية والثقافية، وارتقت بالتنسيق بين البلدين إلى مستويات تعكس وحدة الرؤية تجاه قضايا المنطقة، والإيمان المشترك بأن الأمن والاستقرار والتنمية مسؤولية جماعية، وأن ازدهار مصر والإمارات يمثل ركيزة أساسية لازدهار المنطقة بأسرها.
ولم يعد تميز العلاقات المصرية الإماراتية يُقاس بحجم الاتفاقيات الموقعة، أو حجم الاستثمارات المتبادلة، أو كثافة الزيارات الرسمية فحسب، وإنما بما تتمتع به من خصوصية جعلتها علاقة تقوم على الثقة قبل كل شيء، وعلى احترام متبادل راسخ، وعلى قناعة مشتركة بأن المصالح الوطنية للبلدين تتكامل ضمن رؤية أوسع تستهدف تعزيز الأمن والاستقرار، ودعم التنمية، وترسيخ العمل العربي المشترك.
لقد أثبتت التجربة أن العلاقات التي تُبنى على الثقة والاحترام والإرادة الصادقة هي العلاقات الأقدر على مواجهة المتغيرات، والأكثر قدرة على الاستمرار والتطور. وهذا هو الدرس الذي تقدمه العلاقات المصرية الإماراتية اليوم، ليس للمنطقة العربية فحسب، بل لكل من يؤمن بأن الشراكات الحقيقية تبدأ من الإنسان، وتترسخ بالمواقف، وتزدهر بالرؤية المشتركة.
وإذا كانت ذكرى الثالث والعشرين من يوليو تدعونا إلى الاعتزاز بمسيرة وطن، فإنها تدعونا أيضاً إلى الثقة بالمستقبل، وإلى مواصلة البناء، وتعزيز التعاون، وترسيخ قيم السلام والتنمية. وستظل العلاقات المصرية الإماراتية، بما تحمله من رصيد تاريخي، وما تستند إليه من قيادة حكيمة، وما تحظى به من محبة صادقة بين الشعبين، نموذجاً عربياً رائداً يؤكد أن الأخوة عندما تقترن بالرؤية، والثقة عندما تتحول إلى عمل، تصبحان قادرتين على صناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للأجيال القادمة.
ففي نهاية المطاف، قد تصنع السياسة الاتفاقات، وقد تفتح الدبلوماسية آفاق التعاون، لكن ما يمنح العلاقات بين الدول خلودها الحقيقي هو محبة الشعوب، وصدق المواقف، والإيمان بأن المستقبل يُبنى معاً. وتلك، في جوهرها، هي الحكاية التي ترويها مصر والإمارات كل يوم، وتؤكدها في كل مناسبة، وتكتبها بثقة نحو الغد.
سفير جمهورية مصر العربية لدى دولة الإمارات العربية المتحدة
التعليقات