روح القـانـون

روح القـانـون

سناء البيسي

أن تكون حكما عدلا.. أن تراقب بعينى صقر ضفتى الميزان.. أن تتفهم الدوافع والنوايا والمقاصد وما يطويه الباطن ولا تُظهره الأسطح.. أن تقدم حُسن الظن على سوئه.. أن تراعى اندفاعة شرخ الشباب، ودائرة المحيط، وثقافات الجوار، وتأثير الاغتراب، وأُحادية التلقين، وقهر الإعاقة، وقيد المرونة، ومغاليق النفاذ، وشهوة التفرُد، وجمود المراجع وإرث القرون والمتفق عليه وجمهور الأجداد، والاصطفاف فى الصف، ولزوم ما يلزم داخل الصندوق.. أن ترعى البرعم الواعد ليغدو شجرة الغد الوارفة بالتقليم وليس بالتنكيل.. أن يغدو القانون بين يديك بشريا حاميا من دم ولحم، وليس مقصلة من فولاذ أصمَ.. أن تُنبت من بين طياته زهورا ورياحين وليس أشواكًا بأنياب وسنون.. أن تسقى مواده بماء الورد وليس بماء النار.. أن تتلمس روحه المحلقة وليس نصوصه الصماء.. أن تستنسخ الوجه المدان بصورة ابنك وأخيك وأبيك وذاتك.. أن تنطق حلاوة لسانك بجوهرة البراءة وتبتلع حنجرتك حشرجة الإدانة.. أن تجعل من الحيثيات صرحًا للإنصاف. أن تغدو قاضى الجنة وليس أحدًآ من ثنائيات النار.. أن تُدرك قيمة القول الكريم المنزَّل: (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء).. أن تمد يد الحيدة للغارق فى بحور الملامة وسياط الهجاء وتُهم التكفير وغضبة المشايخ وتقطيبة الأزهر وسريان الاتهام فى أروقة البرلمان.. أن تستفتى قلبك وتتوكل على خالقك..

ذلك هو المنهج الذى قام باتباعه منذ قرن من الزمان فى عام 1927 النائب العمومى محمد طاهر نور إزاء القضية التى رفعت ضد الدكتور طه حسين بالتعدى على الدين بعد نشره لكتابه «فى الشعر الجاهلى» ليغدو قراره فيها من أعمق المحاججات المعرفية فى العصر العربى الحديث، وذلك بعدما أُحيلت إليه عدة شكاوى ضد المؤلف أولها من الشيخ خليل حسنين الطالب بالقسم العالى بالأزهر بتاريخ 30 مايو 1926، لتلحق بها الشكوى الثانية التى قدمت من علماء الأزهر بتاريخ 5 يونيو 1926، ثم الشكوى الثالثة من عبدالحميد البنان عضو مجلس النواب بتاريخ 14 سبتمبر1926، والمظاهرات التى قامت تُطالب برأس طه حسين بسبب كتابه ليلقى سعد زغلول فى أتون غضبتها بخطابه النارى الذى جاء فيه: «إن مسألة كهذه لا يمكن أن تؤثر فى الأمة المتمسكة بدينها.. هبوَا أن رجلا مجنونا يهذى فى الطريق، فهل يضير العقلاء شيء من ذلك.. إن هذا الدين متين، وليس الذى شك فيه زعيم ولا إمام حتى نخشى من شكه على العامة.. فيشك ما شاء..

طه حسين.. من «الشعرالجاهلى» إلى «الأدب الجاهلى» وماذا علينا إذا لم تفهم البقر»..(هذا بينما وجدت فى المراجع أن سعد زغلول نفسه فى عام 1914 وكان رئيسا للجمعية التشريعية فى البرلمان قد أقنع أحد الأعضاء بسحب مطالبته بحرمان صاحب رسالة "أبى العلاء المعرى" من الدراسة ومعاقبة الجامعة المصرية بسحب الدعم المالى من الحكومة لأنها قبلت من طه حسين رسالة فيها "كفر وإلحاد" وذلك بقوله له إن هذا العقاب سوف يضر الأزهر، لأن طه حسين ابن الأزهر وتعلَّم فيه).

بداية يقوم محمد طاهر نور بإرجاء نظر القضية لحين عودة الدكتور طه حسين من باريس لتبدأ إجراءات التحقيق على الطبيعة فى 19 أكتوبر باستجواب المؤلف فى كل سطر من الكتاب على مدى عشرين جلسة، قام خلالها المحقق بالعودة إلى المكتبة والتنقيب الهادئ والرصين فى الكثير من النصوص التى استند عليها طه حسين فى كتابه بغاية التأكد من صحة النتائج التى توصل إليها وتفاعل أحداثها مع بعضها البعض، ومنها النص القرآنى وبعض التفاسير كتفسير الطبرى، وكتاب طبقات الشعراء لابن سلام الحميمى، وكتاب التبيان للطاهر بن أحمد الجزائرى، وبعض مقالات طه حسين المنشورة خارج كتابه كمقاله «العلم والدين».. ومن هُنا قام المحقق باستنباط مكامن القوة والضعف من سطور الكتاب ذاته بصفته الوثيقة الأساسية فى آلقضية المرفوعة بما يتصل وينفصل عن سياق التهم الأربعة التى وجهت للمؤلف وهى: إنكار معظم الشعر الجاهلى وصلة القربى التى تجمع الأنبياء إبراهيم واسماعيل عليهما السلام بالعرب، وبث الشكوك حول القراءات السبع ومصدرها، والذهاب إلى إنكار أولوية الإسلام فى بلاد العرب.. وكانت الخطوة الأولى للمحقق هى إعادة الجمل المتقطعة - التى أخذت مجتزأة ورفعت الشكاوى بناء عليها - إلى سياقها، لكى يتم النظر إلى الأجزاء ككل ضمن ما هو عقلانى متسق ومتصل بعيدًا عن أى استحقاقات عاطفية يمكن أن تُثير أو تُغضب، وذلك لأن أى تعامل مع جزء منها بمعزل عن الأجزاء الأخرى المكملة يشوه المعمار على مستوى الشكل ويحط من قدره على مستوى المضمون.

ومن هذا المنطق التنويرى جاء هذا الإقرار بعدم إجازة انتزاع بعض العبارات من موضعها والنظر إليها منفصلة بمثابة السبق القانونى كى يصبح منهجًا فى جميع قضايا الرأى منذ مائة عام وحتى الآن.

وحول منهج الشك الذى بنى طه حسين كتابه المُدان عليه ويعتقد فيه كمسار لبحثه بقوله الذى كان يعلنه مسبقا: «أريد أن أقول إنى أسلك فى هذا النحو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما يتناولون من العلم والفلسفة.. أريد أن أصطنع فى الأدب هذا المنهج الفلسفى الذى استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء. والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هى أن يتجرد الباحث من كل شىء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالى الذهن مما قيل فيه خلوًا تاما»، وبناء على ذلك المنهج الديكارتى أكثر طه فى كتابه استعمال عبارات التشكيك كقوله: «روى»، «ويذكر»، «ينسب»، «نحن نرجح»، «نحن نعتقد»، «يجب أن نحتاط»، «ما الذى يمنع»، بزعمه أنه يصل بهذا الشك إلى الحقيقة. وفى هذه النقطة قال المحقق فى تقريره: «إن للمؤلف فضلا لا يُنكر فى سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين، ولكنه لشدة تأثره بما أخذ عنهم قد تورط فى بحثه حتى تخيل حقا ما ليس بحق، أو ما لا يزال فى حاجة إلى إثبات أنه حق.. إنه قد سلك طريقا مظلما فكان عليه أن يسير على مهل، وأن يحتاط فى سيره حتى لا يضل، ولكنه أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة».

وحول القراءات السبع ومصدرها رأى المحقق: أن طه حسين لم يتعرض لها من حيث إنها منزلة أو غير منزَّلة، وإنما قال كثرت القراءات وتعددت اللهجات، وقال إن الخلاف الذى وقع فى القراءات تقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التى لم تستطع أن تغيِّر حناجرها وألسنتها وشعائرها، وهو بذلك يصف الواقع، ونحن نرى أن ما ذكره المؤلف فى هذه المسألة هو بحث لا تعارض بينه وبين الدين ولا اعتراض عليه».

ويزعم طه فى كتابه بأن الإيمان والتدين هو حظ أصحاب العواطف الرقيقة، وأن الوحى إنما يخاطب هذه العاطفة، وكأن العقول لا نصيب لها من الإيمان والقبول، وأن الوحى بما فيه بمنأى عنها.. ويواجهه النائب النابه بأن الله يخاطب عقولنا ويحثنا على التفكير والتعقل والتدبر، وأن هذا العقل الصحيح لا يدل بتدبره وتفكره إلا على الدين القويم والإيمان بالعقيدة الصحيحة وأنه لا يهتدى بدينه القيم إلا أولو الألباب والعقول النيرة كما قال تعالى: «كتاب أنزلناه إليك مُبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب»، وقال فى قرآنه: «إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب»، وفى سورة آل عمران قوله تعالى: «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب»، وفى سورة الزُمر يقول سبحانه: «قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب»، ويختم النائب العمومى استجوابه فى هذه الفقرة بقوله لطه حسين من سورة الحج: «ومن الناس من يُجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب مُنير»..

ولأنه من واجب القاضى الحصيف أن يستنبط ظاهر الأمور ويتعمق فيها إلى الحد الأقصى، فقد تم قبول الدعاوى التى رفعت ضد طه حسين أولا ثم تم ترشيدها ثانية بما يحفظ سلطة القانون ونفاذه من جهة، وعدم ممارسة ثقافة الإلغاء من جهة أخرى، فمن بعد توصل النائب العمومى فى نهاية بحثه وتقصيه للحقيقة، ونظرا لطبيعة عمله القانونى فقد كان لزامًا عليه من بعد رده المعرفى على طه حسين كرد مفكر على مفكر آخر الانتقال للبعد القانونى والقصد الجنائى، حيث وجد أن طه حسين لم يكن صاحب غرضيات مرضية تبحث عن الأذى للآخرين وذلك من خلال الطعن فى مرجعياتهم الروحية ومقتنياتهم المعنوية، بل كان غرضه البحث عن الحقيقة كما تقتضيها طبيعة البحث المعرفى، ومن هذا الفهم الكامل قام محمد طاهر نور بتوفير الحماية القانونية للدكتور طه حسين ليُنهى تقريره: «لقد اتضح أن غرض المؤلف لم يكن الطعن والتعدى على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التى أوردها فى بعض المواضيع من كتابه إنما قد أوردها فى سبيل البحث العلمى مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه فى ذلك يكون القصد الجنائى غير متوفر.. فلذلك تحفظ الأوراق إداريًا».

توقيع: محمد نور رئيس نيابة مصر القاهرة فى 30 مارس 1927

وبذلك وفر النائب العمومى لطه حسين الحماية القانونية، أى أنه شرع للباحث البحث بحرية تامة طالما كان غرضه الأساسى هو البحث عن الحقيقة حتى وإن زلَ لسانه أو عقله أو يده، ففى النهاية يتحصل الباحث الحقيقى على أكبر قدر من المعرفة بغرض الوصول إلى الحقيقة، لكن إذا أخطأ فذلك لا يستلزم رجمه وسحله والتشنيع عليه واتهامه بالإلحاد، بل يستلزم وفقا لمقتضيات عالم المعرفة تأمين الحماية اللازمة له لإكمال بحثه، وهذا ما عكسه تقرير محمد طاهر نور باسم القانون.

طه حسين الذى قال عنه نجيب محفوظ: إنه رجل ملأ عصره وظل يثير الجدل من بعد رحيله مما يجعلنا نحبه أحيانا ونغضب منه أحيانا أخرى، نقترب منه بعض الوقت ونبتعد عنه بعض الوقت ولكننا فى كل الأحوال نعجب به ونعجب له».. الدكتور طه عميد الأدب العربى الذى جاء قرار النيابة فى عام 1927 بحفظ قضيته الشائكة بمثابة الباب الملكى لعبور المحيط فانطلق يكتب من بعدها إسلامياته على مدى ثلاثين عاما لم يبد فيها الشك مذهبًا بل اتضح اليقين هاديا ومحوريا، وكان منها فى عام 1933 (على هامش السيرة) وآخرها (الشيخان) عام 1960 مرورًا بـ(الوعد الحق) و(الفتنة الكبرى) بجزئيه عثمان وعلى وبنوه، و(مرآة الإسلام) و(ظهور الإسلام) وغيرها وكان منذ البداية طوعًا قد غيَّر اسم الكتاب من (فى الشعر الجاهلى) إلى (الأدب الجاهلى) من بعد الحذف والإضافة إلى الكثير من نقاط الخلاف داخل سياقه، ومنها تلك التنويهات التى تبرز منهج الشك حول ما هو فى حكم اليقين!.

طه حسين الذى قال له نزار قبانى: «اخلع نظارتيك ما أنت أعمى»، فإن حقيقة ما تلقاه من معارف كان عن طريق الأذن، فالأذن أكثر محافظة من العين على كل ما قيل لها وعنها، فلماذا لم تحتفظ باسم من أزال من طريقها السواد والرماد وضروب الاضطهاد؟!.. لماذا لم يأت على اللسان يومًا منذ إصداره لكتابه المدان «فى الشعر الجاهلى» عام 1927 حتى وفاته فى 1973 ذكر بحمد عابر، أو إشارة لامتنان غابر، أو حتى إفصاح عن اسم الرجل القدير الذى انحنى دارسًا مفحصًا منقبًا عاما كاملا على أوراق اتهامه بأشنع التُهم ليمنحه صك الإنقاذ، ويخرجه كما الشعرة من العجين، وينجيه من قمم الإدانة والإطاحة لبراح العطاء المادى والمعنوى؟!! إن كل ما جاء على لسان الدكتور بهذا الشأن يومًا لم يكن سوى ذكره بأن النيابة قد برأته (زمان) من جميع التُهم المنسوبة إليه بشأن كتابه الرائد حول الشعر الجاهلى.. ويظل التعريف بالمحقق المنقذ غامضًا، ويبقى اسمه وأصله وفصله ونسبه مجهلا حتى لحظتنا هذه، فعلى جميع الأصعدة لا يأتى ذكره إلا بالمختصر «محمد نور رئيس النيابة» رغم طبع نص محاكمته فى طبعة خاصة عثر على إحداها صدفة الكاتب خيرى شلبى على سور الأزبكية من إصدارات مطبعة الشباب فى مصر لتظل فى حوزته داخل الأدراج خمسة عشر عاما ليتذكرها فجأة بعدما جاءت الصحف اللبنانية على ذكرها، فيسارع بطبعها فى كتاب "محاكمة طه حسين لخيرى شلبى" عام 2011 يحتفى فيه بالقاضى المفكر الذى اكتشف فى قراره روح التنوير المصرية الحقيقية، وأن النيابة فيه لا تظهر باعتبارها سلطة قمع وإنما جهة تفكر وتفكك، وتفهم السياق..

محمد طاهر نور باشا.. النائب العمومى الذى حفظ أوراق الاتهام

ويجد شلبى أن محمد نور - اسمه المركب "محمد طاهر نور" - لم يقرأ عبارات طه حسين بشكل مبتور، بل أصر على قراءتها فى سياقها الكامل وربطها بمقالات توضيحية كتبها المؤلف فى جريدة السياسة، وهكذا لم يصدر حكمًا قانونيا بل قدم للتاريخ مرافعة تنويرية، ورغم أن النائب لم يكن شخصية معروفة فى الأوساط الأدبية، بل مجرد رجل قانون، ولكن المفارقة أن نصه فى هذه القضية تجاوز المستوى القانونى الضيق، ويعجب شلبى وهو العارف بشئون الأدب والنقد من أن هذا الرجل لم يكن ناقدا أدبيا محترفا، لكنه كتب بلغة رفيعة تشبه أبحاث الناقد الجاد، واستعان بالمصادر الأدبية والدينية، وتعامل مع النص بروح الباحث لا بروح القاضى الجاهز للحكم، ولقد وقف فى صف العقل وأثبت أن الدفاع عن حرية الفكر لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى بصيرة وشجاعة.

وأجدنى اليوم من بعد مضى مائة عام على قضية الأمس واليوم وغدا، وقراءتى للبحث الشامل المتميز للكاتب العمانى «معاذ بنى عامر» فى مجلة «تكوين» تحت عنوان «طه حسين فى عيون النائب العام محمد نور» الذى اختتمه بقوله: «إن العيب فى البحث العربى الحديث نسيانه لشخصية فذّة مثل محمد نور، وأنا إذا ما وجدت أى مادة عن هذه الشخصية فيقينا أنى سأعمل على إضافتها لبحثى فمثله ينبغى أبدًا أن لا ينسى».. هُنا أجد قلمى الصامت طويلا مستفرا ليجتر تاريخ العائلة، فمحمد طاهر متولى نور هو ابن عم الوالدة والذى كان فى مقام الوصى والشقيق الأكبر.. من مواليد بلدة الطويلة بالدقهلية التى تطل على النيل وتقع شمال المنصورة على بُعد أربعة كيلومترات، وهو حفيد الشيخ متولى نور الجد الأكبر لعائلة نور، وله من الأشقاء والشقيقات: مختار وعبدالهادى وهانم وفاطمة وأمينة وحامد - وهذا الأخير هو من قام بتزويج كريمته صافيناز للملك فهد عندما كان وزيرا للمعارف عام 1959 حيث حضرت زفافهما فى منزل والدها بمصر الجديدة - وقد أنجب طاهر ثلاثة أبناء وأربع بنات هم: مدحت وفؤاد وعدلى وعين الحياة وجاذبية وعصمت ونعيمة..

وعقب تخرجه مباشرة اختير رئيسا للنيابة، وفى نفس السنة مديرًا لإدارة المحاكم الأهلية ليقع عليه اختيار سعد زغلول - الذى لم يسبق له معرفة به - من بين قائمة المرشحين الذين عرضهم عليه سعيد باشا وزير الحقانية لمنصب النائب العمومى، ليعقد له امتحانا قاسيا استغرق يوما كاملا ليقول له عند تهنئته بالمنصب: «أنا لا أريد نائبا عموميا يكون معنا اليوم وينقلب علينا غدا»، لكن محمد طاهر نور رغم خطبة سعد المؤيدة للمظاهرة ضد طه حسين حكم بما يُملى عليه ضميره لا ما تأمر به السلطة. ويصدر المرسوم الملكى بتعيينه فى منصب النائب العمومى عام 1923.. وتروى الوالدة أنه كان مع إخوته وأفراد عائلته نِعم الأخ والصديق، ولم تكن تقابلها بالذات أى مشكلة إلا وتجد لديه حلا قاطعا لها، حتى أنه قام بتشجيعها بخلاف أمها على كتابة القصص القصيرة لترسلها لجريدة الأساس لتنشر بإمضاء مستعار، وتذكر لنا أنه أبدًا لم يشغله مركزه الرسمى عن مباشرة أملاك عائلته الواسعة، فقد كان ناظرًا لوقف الشيخ متولى نور، وكان وحده يمتلك مئات الأفدنة فى الطويلة ودكرنس ويقيم فى كل عام ثلاث حفلات كبرى فى مولد النبى والسيد البدوى وابراهيم الدسوقى، أما عن مرضه الأخير. وكان قد أنعم عليه بلقب الباشوية فإنه من بعد شغله لمنصب النائب العمومى لسنوات أسندت إليه وكالة وزارة الحقانية، وإذا به يُصاب وهو جالس على منصة القضاء بالإسكندرية بالذبحة الصدرية فينصح الأطباء: الدكتور إبراهيم فهمى المنياوى والدكتور توفيق وصفى بألا يغادر موضعه حتى لا تتحرك جلطة الشرايين فيرقد أيامًا أسفل المنصة ليعوده الأصدقاء والأقارب وأسرة القضاء فى موضعه حتى قضى الله أمره، ليمشى فى جنازته من بين المشيعين النحاس باشا ومكرم عبيد ليوارى الثرى بعدها فى بلدته، وتصحبنا الوالدة فى كل إجازة صيفية لزيارة قبر طاهر باشا نور فى الطويلة الموجود فى الجامع الذى أقامه فى حياته ودخل فى عداد الآثار.

وإذا ما كان محمد طاهر باشا نور لم يأت اسمه مرة على لسان طه حسين رغم عطائه وشهرته وصيته ومناصبه، فهناك من خرج من بعده ولم يعد من حياة العميد.. ذهبت سدى وإلى غير رجعة المفكرة البشرية التى كانت بمثابة الرفقة الفاضلة والعين التى تسمع للأذن التى ترى لأكثر من أربعين عاما منذ 1932 حتى 1968.. فريد شحاتة السكرتير الذى قرأ على صاحبه الضرير قمم المراجع والأضاريب الإسلامية وتراث الأئمة ومنازل الصحابة وفقه الشريعة والأحاديث النبوية وأوجه التفسير والفقه المقارن ورواة الحديث وشعر الجاهلية والسيرة العطرة وظهور الإسلام وحروب الردة وأبى العلاء وابن خلدون والفتنة الكبرى وإعجاز القرآن.. الخ، فجأة يستقيل شحاتة.. يخرج من المشهد.. يستكفى المستكفى.. تندك قوة الاحتمال.. الأمين على الأسرار المُطلع على أدق الخصوصيات فى البيت وخارجه.. المعاون فى إنجاز واستكمال الأعمال الأدبية والفكرية للكتب والصحف والإذاعة وقاعة المحاضرات.. ولابد وأن يكون المطلع المتمهل المكرر المتذكر المذاكر المدقق الموصل الجيد لسطور القديم والجديد ومتاهات الفلسفة وصياغات المنطق أن تكون خلايا العقل فيه قد استوعبت الكثير ليغدو صاحبها بمضى المدة وملاصقة الجوار قد غدا بدوره قيمة ثقافية كبيرة بمفرده.. يكتب لنا الأديب وديع فلسطين فى مجلة «نصف الدنيا» فى مسلسل مقالاته عن زيارته الأخيرة لطه حسين عندما اختلى به فريد شحاتة ليُخبره أنه لم يعد يطيق أن يعيش كالظل عند طه حسين، خاصة وأن زوجته سوزان تعامله كواحد من الخدم، بل لقد بدأت تشك فى ذمته لأنه كان مسئولا عن حسابات طه حسين، هذا بينما يذكر وديع أنه قد رأى بنفسه شحاتة وهو جالس معه يخرج من جيبه حافظة نقود طه حسين ليستخرج منها جنيهات طلبتها الزوجة، ويروى وديع أنه التقى بعدها بشحاتة فى ميدان باب الحديد فأكد له أنه أضاع شبابه فى خدمة طه حسين – سنوات ضاعت هباءً ولن أحزن لمجرد ذكرها لكنى أتساءل أيضا كم أربعين سنة أخرى تبقى لى فى حياتى بعد ذلك – وأنه لم يتزوج إلا فى سن متأخرة، وعندما أنجب طفلين لم يجد لهما مكانا فى المدارس فاستنجد بكبار العاملين فى الوزارة الذين كانوا يأتمرون بأمره عندما كان مديرا لمكتب الوزير طه حسين، فلم يساعده أحد فقرر أن يهاجر إلى كندا لأن أسرة زوجته سبقته إلى الهجرة وأخبرته أن إلحاق الأطفال بالمدارس لا يمثل مشكلة هناك.. وتنتهز بعض الصحف فرصة القطيعة بين طه وسكرتيره فتزعم أنه سيؤلف كتابا عن أيامه معه تشوهه، وتصل الأخبار لطه حسين فيتناول قارئه بالهجاء المرير إذ يقول: إن فريد غير قادر بالفعل على أن ينشئ أى عمل أدبى، وهو كما عهدت به لا يستطيع أن يقدم جُملة عربية واحدة صحيحة من حيث الإنشاء والإعراب، وأذكره حين جاءنى ولم يكن معه من الشهادات سوى الابتدائية، ولم أبخسه حقه فقد بدأ العمل معى منذ أربعين عاما بمرتب سبعة جنيهات مما كان يعز على حملة الشهادات العليا، حتى تدرج مرتبه إلى ثمانين جنيها وإننى لا أجد ما أقوله إلا إذا لم تستح فاصنع ما شئت!.

وشهادة منى أمام الله أنى وجدت فى السكرتير فريد شحاتة شخصا دمثا مُلبيا معاونا، حتى أنى فى بداية عملى بأخبار اليوم طلبت منه أكثر من مرة أن يصلنى بالدكتور ليجيبنى على سؤال صحفى، فكنت أتلقى على مسامعى نبرات الصوت الخالد فى ثوان. لكننى فى المرة التى سألت فيها بسذاجة عن رأيه فى عمل المرأة فجاءنى الرد الباتر الخشن: "لقد أجبت مسبقا حول هذاالموضوع بالذات عشرات المرات".. ساعتها أغلقت السماعة محبطة لأهتف بسذاجة من لم تزل على أولى درجات سلم الصحافة التى لاتدرك معنى لمكانة العظماء: "هو طه حسين ده فاكر نفسه إيه؟!!".

ويذهب شحاتة ليأتى محمد الدسوقى سكرتيرا ليكتب يومياته فى غيبة طه حسين التى يبدأها بأن طه طرد شحاتة قائلا: اذهب وابحث لك عن شغلانة، وأن سوزان كانت تسىء إليه فى وجود الزوار حتى اتهمته يومًا بسرقة مبلغ عشرين جنيها من محفظة الدكتور.. وفى يوميات دسوقى أن طه حسين اسمه الحقيقى طاهر، وأنه بعدما قرأ له قصة نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل» قال: (بكل صراحة لقد قرأت هذه القصة وسرد أحداثها ولم أفهم ماذا يقصد منها، وكذلك قصة «اللص والكلاب» و«السمان والخريف» ثم قال: إن الثلاثية هى العمل الفنى الوحيد الرائع لنجيب، ويبدو أن الصحافة هى السبب فى ضعف مستوى هذا القصص لأن الكاتب ينشر قصصه فى الصحف مسلسلة ثم يجمعها فى كتاب ليكون وقت كتابتها مقيدا بزمن صدور الصحيفة، وهذا ما يجنى على فنية العمل الأدبى» – وهنا ينسى طه حسين أنه نشر روايته (المعذبون فى الأرض) و(على هامش السيرة) و(خطبة الشيخ) كلها على هيئة مسلسلات حتى قال الناقد الدكتور جابر عصفور عن الأخيرة إنها رواية ملتبسة لا تستطيع أن تراها مكتملة أو غير مكتملة أو أنها مجرد مشروع رواية!

ويذهب طه حسين إلى جدة عام 1955 فى مهمة ثقافية تابعة للجامعة العربية، لكنه لم يكتف بالإقامة فى جدة بل قصد إلى مكة والمدينة، حج وزار وقبل الحجر الأسود، ووقف فى المسجد الحرام يناجى ربه.. وذهب كامل الشناوى إليه غداة وصوله إلى القاهرة ليسأله:

كيف كان شعورك وأنت فى هذه الأماكن المقدسة؟

- سألونى مثل سؤالك فأجبتهم: ما بالكم تقحمون أنفسكم بين المرء وربه.

إننى بهذا السؤال أحاول استزادة معلوماتى عن المفكر الثائر الذى حرض محمد عبدالوهاب على الغناء يوم وفاة والده فى لبنان بحجة أن الغناء ليس سوى انفعال حزن أو فرح، ولقد عرفتك لا تُبالى بما يقول الناس عنك وما أكثر ما قالوا حتى اتهموك بالكفر ووصل الأمر إلى النيابة العامة!!

- لقد سبق أن عشت بفكرى وقلبى فى هذه الأماكن المقدسة منذ بدأت أكتب (على هامش السيرة) ولما زرت مكة والمدينة أحسست بأننى أعيش بفكرى وقلبى وجسدى جميعها، عشت بعقلى الباطن، وعقلى الواعى، استعدت كل ذكرياتى القديمة، ومنها ما هو من صميم التاريخ ومنها ما هو من صميم العقيدة، وكانت الذكريات تختلط بواقعى، فتبدو حقائق حينا، ورموزا حينا، وكان الشعور بها يغمرنى ويملأ جوانب نفسى، وناجيت ربى فى صمت وخشوع: «اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ولك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن.. أنت الحق ووعدك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وإليك حاكمت.. فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت.. أنت إلهى، لا إله إلا أنت».

ويسأل الشناوى طه حسين: ومتى حفظت هذا الدعاء؟

- أحفظه منذ زمن بعيد، وهو أصح ما روى من الحديث عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وفى مجال الأحاديث الصحيحة عن الرسول الكريم، فإننى أحتاط قبل الأخذ بأى منها، وذلك بأن أعرض الحديث على القرآن، فإن كان لا يناقض القرآن فى قليل ولا كثير.. ولا يناقض المألوف من سيرة النبى وعمله، أخذت به، وذلك ما كان يفعله الصالحون من أصحاب الرسول، فقد قيل لعائشة رضى الله عنها إن بعض أصحاب النبى يروى عنه أنه قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه.. فأنكرت هذا الحديث وقالت: اقرأوا قول الله عز وجل (لا تزر وازرة وزر أخرى).. وقيل لها: إن بعض أصحاب النبى يزعمون أن النبى رأى ربه، فأنكرت هذا أشد الإنكار، وقالت لمحدثها: اقرأ قول الله عز وجل (لا تُدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).

ويزور الأديب المؤرخ ابراهيم عبدالعزيز الشيخ الشعراوى فى منزله بالهرم فى ابريل 1997 ليحكى له عن أسلوب طه حسين الذى يترك المعانى حتى تختمر لديه ثم تخرج للناس يسيرة سهلة بشكل طبيعى، بعكس كُتّاب آخرين يتعجلون ظهور أفكارهم إلى الناس قبل أن تنضج فى عقولهم وفى نفوسهم فيأتى عرضها بشكل ليس بسيطا ولا سهلا، فكنا مثلا نقرأ للعقاد الذى كان مشتركا فى المكتبات العالمية التى توافيه بأحدث كتبها قبل أن تصل إلى الناس فتكون لديه أفكار جديدة لا ينتظر حتى يهضمها، فيذيعها على الناس فيكون فيها شىء من عسر الهضم.. وعندما كبرنا بعض الشىء وشغلنا إلى جانب أسلوب طه بمواقفه من الأزهر وبعض قضايا الإسلام، ظهر عندنا بالنسبة له وجدانين اثنين، وجدان إعجاب بلغته وأسلوبه، ووجدان آخر تكوّن لدينا بسبب كتابه (فى الشعر الجاهلى)، ولما كبرنا وجدنا طه حسين علمًا من أعلام الوفد، وبلدنا كلها وفدية، فاجتمع مع حبنا لأسلوبه، حبنا لوفديته، فصار له فى نفوسنا مزيج (ملخبط)، لذلك عندما قدمنى المصريون للاحتفال بطه حسين فى مكة أردت تحيته بقصيدة، ودعوت الله أن يعيننى على أن أوفى طه حسين حقه فيما له، وأمسك أذنه فيما عليه.. وفيما جاء من أبيات القصيدة قول الشعراوى:

هو طه فى خير كــل قديم وجديد على نبـوغ سواء

يا عـمـيد البيـان لا تحــرم الأزهر عونا بصائب الآراء

وكأن قرار النائب العمومى محمد طاهر نور فى عام 1927 الذى حفظ أوراق الاتهام فى قضية «الشعر الجاهلى» قد بعث من جديد من بعد نحو سبعين عاما على لسان الشيخ الشعراوى ابن الأزهر الشريف فى عام 1997 فى قوله بضرورة ألا نحاسب المفكرين على بداياتهم، وألا نجعل هذه البدايات سيفا مسلطا عليهم فى حياتهم وبعد مماتهم، لأنهم قد تجاوزوها بما هو أكثر يقينا وإيمانا ومنهم طه حسين: «علينا ألا نأخذ الناس بما كانوا عليه فى بدء حياتهم وإنما يجب أن نؤاخذهم بما انتهت عليه حياتهم. وأذكر أننا ونحن فى بدايات حياتنا التعليمية كنا ندرس أدب وشعر أبى العلاء المعرى والمتنبى فوجدنا بأشعارهما بعض الإلحاديات، فزهدنا فى المعرى والمتنبى، فمثلا يقول المعرى «تحطمنا حتى كأننا زجاج، ولكن لا يُعاد لنا سبك»، فالمعرى هنا ينكر يوم القيامة، وفى رأيه أن الزمن يفنينا ولا يعاد لنا بعث؟ فلما ابتعدنا عن أصحاب هذا الشعر الإلحادى جاء لنا ذات يوم صديق هو الشيخ فهمى عبداللطيف وقال لى: لقد رأيت المعرى فى المنام هذه الليلة وهو غاضب منك لأنك جفوته»! فقلت لصديقى: لابد أن نُعيد معرفتنا بالمعرى، فوجدنا للرجل عذرا معنا وله حق أن يغضب منا، لأننا عندما رحنا نقرأ شعره الذى قاله بعد ذلك وجدناه قد راجع نفسه وعاد يعترف بالبعث ويوم القيامة فيقول: زعم المنجم والطبيب كلاهما: لا تحشر الأجساد، قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر، وإن صح قولى فالخسار عليكما.. فما قاله المعرى فى بدايات حياته من إلحاديات كانت نتيجة لما يعيشه من حالة الشك التى أوصلته فيما بعد إلى اليقين والإيمان الراسخ العميق.. وهكذا يتبين أن آفة أصحاب الفكر أنهم يسجلون كل خاطر لهم، والناس لا ينظرون للمناسبات والأوقات التى قيلت فيها هذه الخواطر والأفكار، ويغفلون عما انتهت إليه الخواطر والأفكار فى النهاية.. لذلك فطه حسين وغيره كالدكتور مصطفى محمود، بدأوا حياتهم الفكرية متشككين ثم انتهوا إلى الهدى واليقين، ولهذا يجب ألا نحاسبهم ونؤاخذهم على أوليات خواطرهم لأنهم بعد ذلك ثبت إيمانهم وكتبوا فى الإسلام وعنه كأفضل ما يكون».

ويستمع بأذنه التى ترى الدكتور طه حسين لدعاء الكروان: «الملك لك لك لك لك يا صاحب الملك».

التعليقات