العامية المصرية هى مزيج لغوى غنى نشأ عبر آلاف السنين حيث تعود جذورها إلى اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية ثم القبطية)، كما أنها تأثرت باللغات اليونانية والتركية والفارسية والفرنسية أيضاً لتندمج فى النهاية مع قواعد ومفردات اللغة العربية التى دخلت مع الفتح الإسلامى وتتنوع أصول الكلمات وتاريخها بناءً على الحقب المختلفة التى مرت بها البلاد، وسوف أعرض لكم أغرب تلك الكلمات وقصصها نعرف أصل تسميتها بهذا الاسم.
(خالص – بالص – مالص)
الكلمات الثلاث هذه تعود إلى العصر الفاطمى ويعتبر الفاطميون هم أول من بنوا سوراً حول العاصمة فى مصر الإسلامية، وكانت الفسطاط من قبلهم مدينة بلا أسوار لفترة طويلة وكان الغرض الأساسى من بناء السور ليس الدفاع عن المدينة فحسب ولكن لإحكام السيطرة على مداخل المدينة، فلا يدخل التجار ببضائعهم إلى أسواقها إلا بعد دفع الضرائب وكانت أبواب المدينة تفتح مع أول ضوء للفجر وتغلق بعد المغرب يومياً ويظل التجار يحتشدون على الأبواب ويبيتون بجانبها ليلاً فى انتظار فتح مصارعها صباحاً وكان التجار منهم من يدفع الضريبة بالكامل فيحصل على صك بأنه (خالص) الضرائب وله أن يبيع بضاعته فى أى سوق أو أى وكالة شاء، ومنهم من كان يرى أن الضرائب المفروضة كثيرة فكان يمنح الجنود الواقفين على البوابة لكل واحد بلاصا من العسل أو المش فيسمح له الجنود بالمرور وحين التفتيش يقولون لبعضهم البعض إتركه فهو (بالص) أى منحهم بلاصاً أو أكثر، ومن التجار أيضاً من كانت تجارته صغيرة لا تتعدى حمولة حمار أو جمل واحد فكان يسير بها بجوار قافلة ممن دفعوا الضرائب فيعدى منها ويتهرب من الضريبة، فلو رآه الجنود فى شوارع المدينة يسألون أهو (خالص) أم (بالص) لتأتى الإجابة من أحدهم أنه لا هذا ولا ذاك لعله (مالص) أى تملص من دفع الضرائب فيذهبون مطالبين إياه بتقديم صك الدفع وهكذا تواردت الكلمة على لسان العامة فيما بعد وأصبحت (خالص – بالص – مالص).
(ما هِى كوسة)
ترجع جملة ما هِى كوسة إلى عهد المماليك، خاصة أنه أمام بوابة الفتوح، كان التجار يقفون بعرباتهم ينتظرون السماح لهم بالدخول لبيع بضائعهم وكان الجنود يسمحون لتجار الكوسة بالدخول أولاً حتى لا تفسد، حتى عندما كان يحين الدور على تاجر آخر للمرور والدخول إلى البوابة، كان يتم تقديم تاجر الكوسة عليه وهنا بدأ التجار يرددون كلمة (ما هِى كوسة بقى) تعبيراً عن غضبهم من التمييز، بل واعتبروها نوعاً من العنصرية.
(على رأسه ريشة)
ولهذه العبارة قصة طريفة، يحكى أنه كان هناك قرية تعرّض أحد سكانها لسرقة دجاجته وذهب لشيخ القرية وأخبره بأن دجاجته سرقت، فجمع الشيخ كافة سكان القرية ليكشف السارق، وروى أن السارق كان متواجداً بين الحضور، فسألوا الشيخ، هل يعرف السارق، فأجاب بنعم، وأوضح أنه على رأسه ريشة الدجاجة التى سرقها، وفى حركة لا إرادية وضع السارق يده على رأسه بحثاً عن الريشة وكانت هذه هى حكمة الشيخ الذى عُرف منها الفاعل الحقيقى بعدما أدان نفسه بنفسه.
وهناك أيضاً ملحوظة صغيرة أود الإشارة إليها قبل أن أكمل أصل الكلمات وقصصها وهى أن كلمة (يا ابن الإيه) تندرج تحت بند السب والقذف، فكلمة (الإيه) كلمة قبطية وتعنى بقرة أو عجلا، إذن ابن الإيه يعنى ابن البقرة أو ابن العجل.
(يا خراشى)
كلمة (خراشى) تعود إلى الإمام محمد بن سالم الخراشى المالكى أول شيخ للجامع الأزهر الشريف وأحد كبار العلماء المسلمين، وسُمى الخراشى نسبة إلى قريته أبو خراشى بمحافظة البحيرة، وهذا الشيخ كان معروفاً بنصرته للحق وقوة كلمته وكان الكثيرون يستغيثون به لنصرتهم ونجدتهم من تعنت كبار الموظفين، ووصل الأمر إلى أن صارت استغاثة – يا خراشى – هى النداء الشعبى لشيخ الأزهر كى ينصرهم على الظلم الواقع عليهم.
(حَتَتَك بَتَتَك)
بالطبع هذه الكلمة تصف الجائع المقبل بنهم على الطعام حتى يخلصه، أما عن أصلها، فعظام الفراخ أو اللحوم تسمى فى الهيروغليفية (بات) واللحم الملاصق للعظام يُسمى (حات) وبالتالى فإن حتتك بتتك تعنى أن الجائع التهم اللحم والعظم معاً من شدة جوعه وقد أطلق المصريون القدماء على الكبابجى اسم (الحاتى).
(وحوى يا وحوى)
كلنا يعرف أغنية (وحوى يا وحوى إياحه) التى تنبئ بقدوم شهر رمضان الكريم، لكن الكلمة لها قصة، فبعد انتصار الملك أحمس على الهكسوس وطردهم من البلاد، خرج الشعب المصرى يحيى الملكة (إياح حتب) والدة الملك أحمس وكانوا يهتفون لها (واح واح إياح) بمعنى تعيش تعيش إياح، ومع مرور الزمن صاروا ينادون بها هلال رمضان ابتهاجاً به وتغيرت إلى (وحوى يا وحى إياحه) ولا نعرف حتى الآن من أضاف لها حرف الياء.
(طظ)
هذه الكلمة من أصل تركى ويعنى (الملح) حيث كان الملح هو السلعة الجمركية الوحيدة المعفاة من الرسوم الجمركية، ولكى ينتقل التجار من مكان إلى آخر كانوا يقولون (طظ) أى أن بضاعتهم عبارة عن ملح فقط حتى يمرون بسهولة، لكن معنى طظ اختلف تماماً عبر الأجيال وأصبح ماركة مسجلة لكل مَن لا يبالى بشىء وضاع معه معنى العيش والملح.
التعليقات