بين الحين والآخر أجد نفسي أكتب عن الحنين إلى البطء، على الرغم من إنني قد كتبت عن ذلك أكثر من مرة. ربما لأنني لاحظت في الفترة الأخيرة في المجالس الخاصة أو العامة كثرة الحديث عن ذلك الشعور، فضلًا عن بعض الدعوات التي أطلقها عدد من مفكري وفلاسفة العالم لما يسمى بــ "إعادة البُطء إلى حياتنا". إن العصر الرقمي الذي نعيش فيه به العديد من المزايا التي وهبنا الله إياها، لكن المشكلة الأزلية هي في طريقة تعاطينا مع الأمور المُستحدَثة! تحوَّل الأمر إلى سباق مُحتدم بين الإنسان والزمن. لقد سِرنا في طريقٍ غامض قد نفقد فيه إنسانيتنا، والثمن هو أن نتمكن من إنجاز أكبر قدر من المهام في أقل وقت ممكن.
دخل سباق السرعة في كل شيء في حياتنا تقريبًا. صرنا نأكل بسرعة ونلعب بسرعة ونقرأ بسرعة ونتزاور بسرعة ونحب بسرعة ونكره بسرعه. أما عن الأخبار والمعلومات فحدِّث ولا حَرَج! فما يُهم فقط هو السرعة في النشر والحصول على السبق حتى ولو كان على حساب الدقة والأمانة العلمية. وما أكثر ضحايا السرعة! لقد منَحَتنا السرعة القدرة المذهلة على إنجاز الأعمال وأداء المهام إلا أنها جعلتنا نشبه الآلات الصماء، حتى فقدنا الكثير من صفاتنا الإنسانية. بات الأمر مجرد سباق يومي لا يتوقف منذ أن نستيقظ وحتى ننام. في الواقع نحن لن نهزم الوقت أبدا!
ومن الأمور التي لفتت انتباهي أيضا مؤخرًا وبخاصة فيما يتعلق بالقراءة، عندما يقوم البعض بوضع نسخة إلكترونية لأي كتاب على أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي ليصنع ملخصا للكتاب في صفحة واحدة فقط! وأخبَرَني بعض الزملاء أنهم توقفوا منذ فترة عن قراءة الروايات، فقط يستمعون إلى تعليق صوتي موجَز مدته خمس دقائق يُلخص أحداث الرواية! فأين متعة قراءة الكتب؟ أين التعمق في أحداث الروايات والبحث في المعاني والغوص في مشاعر الشخصيات؟ لا بأس من المُلخصات خاصة للكتب التي تحتوي على عدد هائل من الصفحات، أو مع الكتب المتخصصة الموجهة لنوعية معينة من الجمهور. لستُ ضد القراءة السريعة أو الملخصات الصوتية أو المرئية، فنحن لا نعلم ظروف البشر أوطبيعة أعمالهم، لكنني أتحدث هنا عن الأمر بوصفه ظاهرة واضحة للعيان طَغَت على عالم المعرفة.
هذا ما يجب أن نخشاه بأن تصبح المعرفة هي الضحية الجديدة لعصر السرعة! أخشى أننا نسير بأقدامنا في طريق فقدان الاستمتاع بالأشياء من حولنا، والتركيز على الكم وليس الكيف. هل من الممكن أن نكون قد استسلمنا لاستبداد الوقت؟! ينبغي لنا أن ننتبه للأثار الجسدية والنفسية لهذا الركض اليومي المتواصل. لا يجب أن تكون السرعة على حساب مشاعرنا وعلاقاتنا الإنسانية. علينا أن ندرك أننا أصبحنا نتعاطى مع الحياة بسطحية. يجب أن نتوقف عن اختزال عناصر النجاح بالسرعة فقط في الإنجاز. ولنحذَر من أن يترسخ في أذهان الأجيال الصغيرة أن البُطء هو دلالة على التخلف، وأن التروي والتأني مجرد مفردات عتيقة لا قيمة لها.. نعم أحتَرِم السرعة، لكنني أفتقد البطء!
التعليقات