لطالما رددنا المقولة الشهيرة "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، ولكننا اليوم نقف أمام معضلة حقيقية وواقع مغاير؛ حيث أصبح الخلاف يفسد الود، ويقطع حبال التواصل حتى بين أقرب الأصدقاء والأحباب.
في الماضي، كان الاختلاف يُبنى على الحجج والبراهين، وكان لكل طرف كامل الحرية في التمسك برأيه مع الاحتفاظ بالاحترام العميق للرأي الآخر، حتى وإن لم يقتنع به. أما اليوم، أصبحت "الترندات" على وسائل التواصل الاجتماعي تغذي خلافات محمومة تدفعنا نحو طرق مسدودة، وتنحدر بلغة الحوار إلى مستويات غير مقبولة تصل في كثير من الأحيان إلى حد التجريح والسب.
لم تعد المشكلة تكمن في اصطفاف الناس بين "مؤيد" و"معارض"، بل في الطريقة الهجومية الفجة التي يُطرح بها الرأي.
وقد طالت هذه الظاهرة المزعجة كافة الأوساط دون استثناء؛ فنراها في الوسط الرياضي، كما جرى في السجالات حول أزمة الكابتن حسام حسن، وفي الوسط الاجتماعي والفني عند التعاطي مع قضايا يومية تُستغل للتشهير والتراشق. لكن الصدمة الأكبر كانت في الوسط الثقافي؛ هذا الوسط الذي يُفترض أنه صورة من صور القوة الناعمة، ويمتاز بالرقي والاتزان.
ظهر هذا الخلاف المحموم في الفعاليات الثقافية الكبرى، جوائز الدولة ، و "جائزة محمد بن صالح باشراحيل وحرمه" (رحمهما الله). هذه الجائزة الكبيرة التي تجمع المبدعين والمكرمين من كافة الدول العربية ومن مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية تحت مظلة الإبداع.
وقد تجسدت القيمة الحقيقية للجائزة في حفل توزيع الجوائز الأخير بمركز المؤتمرات بالأزهر الشريف؛ حيث غمرت القاعة مشاعر السعادة والامتنان. رأينا أرملة وابنة أحد المبدعين الراحلين -الذي توفاه الله ولم يُكرم في حياته- تُكرمه الجائزة، فامتزجت دموع الفرح بالملابس السوداء في مشهد وفاء نادر. وتكرر المشهد مع أسرة الشاعر الشاب الذي رحل بعد فوزه بالجائزة، لتختلط مرارة الحزن ببهجة التقدير المعنوي.
ورغم أنني تقدمت للجائزة في هذه الدورة ولم أوفق بالفوز، إلا أن حرصي على الحضور وسعادتي ببهجة المكرمين كانا أبلغ رد على روح السلبية. وقد دفعني ذلك للغوص في النتاج الأدبي للدكتور عبد الله باشراحيل، فآثرني التمكن اللغوي، والسهولة واليسر في استخدام الألفاظ، والرقي التعبيري الذي يمنح القارئ المتعة والتعلم وجمال اللغة في آن واحد.
وللشاعر د. عبد الله باشراحيل عدد كبير جدا من الدواوين الشعرية المهمة للغاية تم جمعها فى سبع مجلدات ضخمة، وله من التكريمات والجوائز من رؤساء وملوك العالم ما يضعه فوق قمة يشار إليها بالبنان، وكم حزنت أن تجرأ البعض بالسباب فى الفضاء الإلكتروني وأعتقد أنهم لو صادفوه على أرض الواقع لهربوا.
وأعلم علم اليقين محبته لمصر وشعبها، وعلمي هذا ليس وليد اليوم بسبب المسابقة وإنما معرفة من أكثر من عشر سنوات وفقا لما أخبرني به الثقاة عما يفعله الرجل ومحبته لمصر، وأعلم أيضا أنه ما سب المصريين كما يروج البعض ممن يبحثون عن صيد وإنما رد على إهانات بعضهم فقط. وأما عن موقفه من شاعر أو من مدرسة شعرية فهو حر فى رأيه، سبحان الله... تصدرون الحكم على رأي بأراء كلها تعنت وديكتاتورية، مثلكم مثل من يحتل بلد بالقوة والقتل تحت دعوى إقامة العدل ونشر الحريات ..!!
ولكي تستقيم رؤيتنا للمشهد الثقافي والإنساني، يجدر بنا التنويه إلى نقطتين حاسمتين:
مراعاة الفروق الثقافية:
حيث تختلف التعبيرات والألفاظ ليس فقط بين الدول العربية، بل داخل مدن القطر الواحد؛ فرب كلمة تُستخدم بظرف عادي في بيئة ما، تُفهم على أنها غير لائقة في بيئة أخرى. ومن الضروري فهم السياقات المحلية وتجنب الأحكام المبتسرة.
إن ما يُطلق عليه بعض من ينسبون أنفسهم إلى النقد مسميات مثل "الحداثة"، و"ما بعد الحداثة"، و"الكتابة النسوية"، ليست سوى رتوش ومفتعلات لتمييز أنفسهم، بل هي في جوهرها هراء لا يضيف للعمل شيئاً. فالإبداع هو الإبداع بصلابته وأصالته؛ سواء كان شعرًا، أو نثرًا، أو قصة، أو رواية.
إن الإبداع الحقيقي والتقدير الإنساني النبيل هما الصخرة التي يجب أن تتكسر عليها أمواج الخلافات المحمومة، لنستعيد مجدداً قيمتنا الأساسية: أن الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يفسد للود قضية.
وأخيراً يجب أن نفطن إلى من يريد إشعال الفتنة والنار لأكثر من سبب، إما لأنه لم يستفيد من مثل هذه الجوائز فيشعر سيف العداوة ويلقي بعشرات التهم مستخدما الكلمات الفضفاضة.
أو لأن هناك جوائز أخرى تخشى سحب البساط من تحتها ، وتخشى المنافسة القوية فتحاول بشتى الطرق إسقاط الجديد وخدمه كي تبقى هي بدون منافس.
وعندي يقين ثابت: ابحث عن المستفيد.. تعلم الحقيقة. والمستفيد من عدم أي حراك ثقافي هم الذين يسعون إلى نشر الجهل، وهذا التجهيل أخطر على أمتنا من أي حرب.
كلي أمل بأن تتسع مداركنا ونتصدى بقوة للمخاطر ونتخطى الأزمات لنعبر إلى بر الأمان.
التعليقات