عندما تتقاطع مسارات العدالة مع مصالح القوى المهيمنة يحدث تحايل لتعطيل هذه المسارات، تكرر ذلك كثيرا في تاريخ العلاقات الدولية، في شكل «فيتو» أو منع تطبيق قرارات دولية أو التغافل عنها، أو عبر التصفية المعنوية بسلاح «الفضائح الشخصية» خاصة عندما يكون الهدف شخصية تتمتع بحصانة قانونية ويصعب عزلها عبر القنوات التقليدية، وهو ما تجلى في عزل كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، من منصبه.
فبمجرد تجرؤه على تجاوز الخطوط الحمراء، معلنا إصدار المحكمة مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نيتانياهو وقادة آخرين بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة، فُتحت عليه أبواب الجحيم عبر تهمة ملفقة تتعلق بسوء السلوك تجاه موظفة.
فقد تلقى خان وزملاؤه تهديدات من بعض القوى الدولية بعد صدور قرار الاعتقال، ومع الصمت الدولي خاصة من جانب الدول الكبرى تجاه هذه الاتهامات والتهديدات، يتبين أن العالم الحر لم يخن كريم خان فقط، بل خان أيضا قيم هذا العالم المتعلقة بالعدالة وحقوق الإنسان!
ومن ثم فإن عزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية من منصبه، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ إنشاء المحكمة عام 2002 هو قرار سياسي، خاصة وأن خان (56 عاما) المحامي البريطاني من أصل باكستاني، قد جعل من ملاحقة مرتكبي الجرائم الجنسية والدفاع عن حقوق الأطفال محورا رئيسيا في عمله كمدع عام. وقد وصفه زملاؤه بأنه «مدعٍ مستقل وشجاع وعملي». ولم يشغل منصبه من فراغ. فقد انتخب في عام 2021 ليكون المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بناءً على سجل حافل في أروقة العدالة الجنائية.
وعرف ببراعته وحنكته، حيث سبق له أن ترأس فريق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم تنظيم «داعش» بالعراق وشارك كمدع عام ومحامي دفاع في محاكم دولية مختصة بيوغوسلافيا السابقة ورواندا ولبنان. وخلال ولايته، أصدرت المحكمة مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي بوتين عام 2023.
ولكن عندما تجرأ في مايو2024، وطلب إصدار مذكرات اعتقال بحق نيتانياهو وجالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، وهي الجرائم التي شهدها العالم على الهواء، بدأت محاولات تصفيته سياسيا، حيث واجه حملة ضغوط دبلوماسية مكثفة قبيل الإعلان عن المذكرات. ففي 23 أبريل2024، حذره وزير الخارجية البريطاني الأسبق كاميرون، من أن هذه المذكرات قد تدفع المملكة المتحدة لسحب تمويلها من المحكمة. كما كتب 10 أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي رسالة إلى خان يهددونه بعقوبات.
بل فرضت الولايات المتحدة عقوبات على 11 مسئولا في المحكمة، بما فيهم خان، ردا على مذكرات الاعتقال. وأعلن وزير الخارجية الأمريكي روبيو عزم واشنطن «تفكيك المحكمة الجنائية الدولية.. إن لزم الأمر». وكشف تحقيق «ميدل إيست آي» عن حملة ترهيب متصاعدة ضده شملت تحذيرات من فريق الموساد بلاهاي، ثم انتهى الأمر بعزله بتهمة أخلاقية، نفاها خان بشدة، ووصفها محاموه بأنها غير عادلة. ولم يتح له الفرصة للدفاع عن نفسه.
إن هذا «العقاب السياسي» يهدف إلى جعل خان عبرة لأي مسئول دولي يفكر مستقبلا في المساس بحصانة إسرائيل وقادتها، من هنا تأتي أهمية رد الاعتبار له، والذي لا ينفصل عن رد الاعتبار للمحكمة الجنائية الدولية وللقانون الدولي. ويمكن تحقيق ذلك عبر مسارات عديدة: أولها أن تطالب الدول الأطراف بميثاق روما، خاصة الدول العربية والإسلامية، بتحقيق دولي محايد في ملابسات الاتهامات الموجهة لخان. ثانيها: عدم تراجع المحكمة الجنائية الدولية عن مسار مذكرات الاعتقال بحق القادة الإسرائيليين.
ثالثها: قيام النخب الإعلامية بتفكيك السردية التي حاولت تشويه «خان»، ووضعها في سياقها التاريخي كجزء من أثمان مواجهة «الهيمنة السياسية» للقوى الكبرى التي تسعى لاحتكار الحقيقة. رابعها إطلاق حملات تضامن قانونية وحقوقية عربية ودولية تبرز الإنجاز التاريخي لخان المتمثل في كسر حاجز الإفلات من العقاب، وتكريم شجاعته في اتخاذ القرار رغم إدراكه المسبق لحجم الضغوط والتهديدات. خامسها ان تبادر منظمات حقوقية وسياسية عربية بالاستفادة من خبرته القانونية الدولية وتعينه مستشارا لها.
إن رد الاعتبار لخان هو اختبار حقيقي لمصداقية العدالة الدولية في مواجهة الإفلات من العقاب، كما أن تكريمه هو تكريم للشجاعة في قول كلمة حق في وجه نظام دولي جائر!
التعليقات