كثير من الحكايات المختلقة صارت لها مصداقية فى الشارع، تستند إلى صورة ذهنية رسمها الناس لشخصية عامة، وهكذا ينسج بعضهم قصصاً تحقق رواجاً فى لحظات، الخلطة السحرية ملعقة من الحقيقة تقلبها جيداً فى برميل من الكذب.
كانت ولا تزال أم كلثوم هدفاً استراتيجياً لعدد كبير من تلك الأكاذيب، أتذكر أحد الصحفيين، وكان يكتب أيضاً الزجل وله عدد لا بأس من الأغنيات، أراد أن تصل الرسالة للجميع بأنه كان قريباً من أم كلثوم، إلى درجة أنها ومن باب العشم وبين الحين والآخر تسخر من ملابسه، روى تلك القصة، بالطبع بعد رحيل كل أبطالها.
التقى لأول مرة أم كلثوم فى مكتب الإذاعى الكبير محمد فتحى، وكان يحمل لقب «كروان الإذاعة»، كانت «الست» تفضل أن يتولى «فتحى» تقديم أغانيها فى الحفلات، قبل أن ترتبط بصوت الإذاعى جلال معوض، الدولة بعد ثورة ٥٢ اعتبرت فتحى أحد رموز العهد البائد، وأوقفته عن التواجد أمام الميكروفون، فى جلسة ضمت أيضاً محمد القصبجى، الذى قدم لها الصحفى والزجال قائلاً إنه متأنق فى ملابسه والدليل أنه يرتدى «كرافت» بثلاثة جنيهات، ردت أم كلثوم: دى فيها «زيت» على الأقل بخمس جنيهات.
هل من الممكن أن تتهم أم كلثوم إنساناً تتعرف إليه لأول مرة بتلك الصفة البذيئة؟ سبق وأن ورطوها أيضاً فى نكتة مختلقة مع إسماعيل ياسين، وكان بصحبتها هذه المرة أحمد رامى، حيث ذهبت لصيدلية، شاهدت إسماعيل واقفاً على الميزان، قال لها إنه ٧٠ كيلو، ردت عليه: بـ«بقك» ولا من غيره؟ رامى حذرها من مجاراة «سُمعة» لأنه سيرد عليها بقسوة لو تمادت أكثر، حكاية مصنوعة لتقديم هذا الإفيه.
ولديكم أيضاً تلك النكتة، التقت أم كلثوم فى إحدى السهرات برجل بادرها قائلاً: «أنا جارك أقيم فى الفيلا المقابلة»، ردت عليه: «إذن أنت جرثومة» تقصد «جار ثومة»!! تتسابق الجرائد فى ذكر وقائع مشابهة، ببعض التأمل نكتشف أن ٩٠٪ مما يتردد لا أساس له من الصحة، مستحيل أن نصدق مثلاً أن أم كلثوم تسخر من إنسان لأنه قصير القامة أو سمين أو ضعيف السمع، هل تنعت مثلاً جارها الذى تلتقيه لأول مرة «بالجرثومة»؟ هل كانت أم كلثوم تُمارس «عمال على بطال» جريمة «التنمر»، قبل عشرات السنين من تداول توصيف «التنمر»؟ أم كلثوم بالطبع خفيفة الظل، سريعة البديهة، لكنها أبداً لم تحرج أو تجرح أحداً، ولا يمكن أن تخرج عن حدود اللياقة أو اللباقة، مثلاً روى لى الشاعر الكبير مأمون الشناوى أنه التقاها فى استوديو «مصر»، حيث كانت تنتظر انتهاء صديقتها تحية كاريوكا من تصوير أحد الأفلام، وعندما رأت مأمون قادماً سألته عن «تحية»، أجابها: «سوف تأتى رأساً»، ردت أم كلثوم: «تحية كاريوكا تأتى فقط رقصاً»!! قفشة تليق بأم كلثوم، مثلما تداعب بين الحين والآخر جمهورها، فى تسجيل حفل أغنية «ليلة حب» أعادت أم كلثوم ثلاث مرات هذا المقطع «ما تعذبناش / ما تشوقناش»، أحد المتفرجين اقترب من خشبة المسرح يريد الإعادة الرابعة، فأشارت إليه قائلة: «ما تعذبناش»، فضحك الجمهور!! ليست فقط أم كلثوم التى تلتصق بها مثل هذه الحكايات الملفقة، توفيق الحكيم وعباس محمود العقاد وكامل الشناوى وغيرهم، تنسب لهم الكثير منها، وكأنهم قد صاروا مثل «جحا» تلك الشخصية الأسطورية التى تصنع لها فى كل يوم حكاية جديدة، وكل بلد لديها «جحا»، بل كل شخص أحياناً من الممكن أن يروى نكتة وينسبها وهو مطمئن تماماً إلى «جحا».
الغريب أن بعض معاصريها أيضاً ينسبون إليها بعض الحكايات، مثل تلك التى رواها موسيقار شهير قائلاً: «إنها رأت حماراً يتبول فى النيل»، فقالت: «وفيها إيه، أليست هذه هى مجارى النيل؟»، الموسيقار لا يريد أن يسخر من أم كلثوم بالطبع، ولكنه يقدم هذه النكتة التى قرأها منسوبة إليها، على اعتبار أنها دليل على خفة ظلها، آفة حارتنا ليس كما قال نجيب محفوظ النسيان، ولكن تصديق كل ما هو فى تراثنا الأدبى والفنى والسياسى من أكاذيب، البعض يردد الحكاية ثم مع كل إعادة «تدوير» لها يضيف بصمته الخاصة وأيضاً كذبته الخاصة، والعديد منها مع الأسف ينتقل من باب الغلظة إلى استخدام كلمات «أبيحة» على حساب «الست»!!.
التعليقات