فى حوار أجراه كمال الشناوى مع نيللى، مطلع الثمانينيات، حكى كيف أنه فى نهاية الخمسينيات فكر فى الانتحار بعد أن تراكمت عليه الديون، كما أن الطلب عليه كنجم أول بدأ يخفت، بعد صعود كل من رشدى أباظة وعمر الشريف، إلا أنه تعامل مع هذا الموقف العارض بقدر من المرونة، حتى استرد مكانه.
ظل كمال الشناوى فى الميدان واسمه فى مقدمة «التترات» حتى رحيله فى التسعين من عمره، امتلك ما هو أهم من الموهبة.. «المرونة» التى تمنحنا القدرة على التحايل، الفنان الذى يمتلك هذا المفتاح هو فقط الذى يكمل المشوار. دائماً هناك وفى كل مجال اسم يصعد يسرق الاهتمام، وتخفت بجواره قليلاً الأسماء الأخرى، ويصبح لزاماً على النجم الأسبق وضع خطة بديلة بشروط أقل صرامة..
ليس معنى ذلك التسليم المطلق بكل شروط السوق التى أراها تشبه صراع الديوك فى العش، الديك الذى يتلقى نقرة نافذة على رأسه، تفتح شهية باقى الديوك لتوجيه نقرات أشد ضراوة، وينزوى بعدها الديك المهزوم فى ركن قصى ينتظر الفتات.
أتذكر مثلاً النجم الكبير عماد حمدى الذى كان يقبل بسبب احتياجه المادى فى سنواته الأخيرة أدواراً مبتورة لا تليق باسمه، وكثيراً ما كان يتحلى بالصمت، إلا أنه فى فيلم «سونيا والمجنون» المأخوذ عن رواية «الجريمة والعقاب» لديستوفسكى الأديب الروسى الكبير لم يستطع كبت غضبه، عندما اكتشف حذف مشاهد عديدة من دوره بسبب طول زمن الفيلم.
الأبطال نجلاء فتحى ومحمود ياسين ونور الشريف، هاجم «عماد» مخرج الفيلم حسام الدين مصطفى، ورد عليه حسام بأنه كان مضطراً، فهو لا يمكن أن يحذف مشاهد لنجلاء ومحمود ونور، المتفرج يدفع التذكرة من أجلهم، ولو غابوا عن الشاشة فلن يغفروا للمخرج أبدًا الغياب، ولكن اختفاء الأبطال المساعدين لن يثير غضبهم.
طبعاً عماد حمدى قيمة إبداعية كبيرة ودوره فى «سونيا والمجنون» من أهم الشخصيات التى تتكئ على إبداع ممثل طويل، ولكن لأن عماد كان بين الحين والآخر يقبل أدواراً لمجرد أكل العيش، فلقد اعتقد حسام أنه لن يتذمر، أتذكر أننى التقيت عماد حمدى مرة واحدة فى شقته بالزمالك قبل رحيله بأشهر قليلة، وقال لى إن معاش النقابة لا يتجاوز 100 جنيه، لا تكفيه حتى لشراء سجائره فلقد كان مدخنًا شرسًا.
كمال الشناوى من الجيل التالى لعماد، إلا أنه كان أكثر إدراكاً لضرورة أن يظل الفنان محافظاً على بريق اسمه، ولا يقبل أدوار «أكل العيش»، ظل محافظاً على بريقه، كما أنه مثلاً لا يقبل التعاقد على عمل فنى لمجرد أنه ينتظر الأجر.
كمال الشناوى أعد «معالجة درامية» وهى المرحلة التى تسبق كتابة السيناريو، لمشروع سينمائى يجمعه مجدداً مع شادية، أشهر «دويتو» عرفته شاشة السينما المصرية، كما أنهما احتلا المركز الأول فى عدد اللقاءات 36 فيلماً.. ملحوظة: نور الشريف وميرفت أمين فى المركز الثانى «25» فيلماً.
الفكرة كما رواها لى كمال الشناوى تبدأ بلقطة من فيلم «أبيض وأسود» وهما فى طريقهما قبل «تتر» النهاية إلى المأذون، ثم يكتب على الشاشة مر 30 عاماً ونراهما فى المشهد التالى فى طريقهما مجدداً للمأذون لإتمام مراسم الطلاق، ويبدأ فى تقديم الأزمات التى دفعتهم للطلاق.
طلبت أكثر من شركة إنتاج بعد اعتزال شادية استكمال المشروع، ولكن كمال الشناوى رفض أن تحل مكان شادية أى فنانة أخرى، فلقد اعتبر أن استبدال شادية بأى فنانة أخرى كأنه اغتيال للمشروع، وهو يرفض أفلام «أكل العيش»!.
التعليقات