في زمنٍ تتزاحم فيه صور الحروب والأزمات على شاشات الأخبار، تختار دولة الإمارات العربية المتحدة أن تبعث برسالة مختلفة إلى العالم: أن العمل الإنساني يمكن أن يستمر حتى في أصعب الظروف، وأن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من اقتصاد أو نفوذ، بل أيضًا بما تقدمه للإنسان أينما كان.
فوسط إقليم يواجه اضطرابات متلاحقة، تواصل الإمارات ترسيخ نموذجها الخاص؛ نموذج يجمع بين الاستقرار الداخلي والدور الإنساني الخارجي، ويجعل من العطاء جزءًا أصيلًا من هوية الدولة وسياساتها.
وفي قلب هذه الرؤية الإنسانية يقف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، بوصفه قائدًا رسّخ في وجدان الدولة أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن مدّ يد العون ليس فعلاً هامشيًا على هامش السياسة، بل جزء من معناها النبيل. فمن خلال نهجه، اكتسب العمل الإنساني الإماراتي بعدًا أكثر عمقًا واتساعًا، إذ لم يعد مقتصرًا على الإغاثة في لحظة الأزمة، بل أصبح تعبيرًا عن فلسفة دولة ترى أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من صون الكرامة الإنسانية، وأن التضامن مع الشعوب ليس عبئًا، بل مسؤولية تليق بالأمم الكبيرة. ولهذا تبدو الإمارات، في ظل هذه القيادة، دولة تبني الداخل بثقة، وتخاطب العالم بالخُلق نفسه: العطاء، والرحمة، والانحياز الدائم للإنسان.
هذه الفلسفة لم تتشكل فجأة، بل تراكمت عبر سنوات من المبادرات التي جعلت العمل الإنساني الإماراتي حاضرًا في عشرات الدول حول العالم، خصوصًا خلال شهر رمضان الذي تحوّل في الإمارات إلى موسم عالمي للعطاء.
خلال السنوات الماضية، قاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم سلسلة من المبادرات الإنسانية التي حملت طابعًا متصاعدًا في الطموح والتأثير؛ بدءًا من حملة «10 ملايين وجبة» خلال جائحة كورونا، مرورًا بمبادرة «100 مليون وجبة»، ثم مشروع «مليار وجبة»، وصولًا إلى مبادرة «وقف المليار وجبة» التي أسست أكبر وقف مستدام لإطعام الطعام.
لم تكن هذه المبادرات مجرد استجابة موسمية أو تفاعل مؤقت مع أزمة عابرة، بل شكلت مشروعًا إنسانيًا متكاملًا يسعى إلى تحويل مكافحة الجوع إلى التزام طويل الأمد، وإلى إشراك الأفراد والمؤسسات في منظومة مستدامة للعطاء.
في المقابل، يكتسب المشهد الإنساني الإماراتي بعدًا آخر مع الدور الذي تضطلع به سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، التي كرست جهودًا واسعة لدعم المرأة والطفل واللاجئين في مناطق الأزمات.
فالمبادرات التي أطلقتها سموها، سواء عبر البرامج الصحية والتعليمية أو الصناديق المخصصة للفئات الأكثر هشاشة، تعكس رؤية ترى في العمل الإنساني حمايةً للكرامة الإنسانية قبل أن يكون مجرد أرقام أو مساعدات.
هذا البعد الإنساني العميق يعزز صورة الإمارات بوصفها دولة لا تكتفي بتقديم الدعم، بل تسعى أيضًا إلى تمكين الإنسان ومنحه فرصة لاستعادة حياته.
لكن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى العمل الميداني الذي تقوم به المؤسسات الإنسانية الإماراتية، وفي مقدمتها الهلال الأحمر الإماراتي، الذي يعمل في بعض من أكثر البيئات الإنسانية تعقيدًا في العالم.
في قطاع غزة، ورغم قسوة الظروف، تستمر المساعدات الإماراتية في الوصول إلى السكان عبر دعم المطابخ المجتمعية والمخابز وقوافل الإغاثة التي توفر وجبات الإفطار والسحور وآلاف الحصص الغذائية للأسر المتضررة.
وفي السودان، حيث أدت الحرب إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في المنطقة، امتدت المساعدات الإماراتية لتشمل دعم النازحين واللاجئين، وإنشاء مستشفيات ميدانية وبرامج إغاثة في الدول المجاورة.
هذا الحضور الميداني يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الأزمات الحديثة، التي غالبًا ما تكون طويلة ومعقدة، ولا يمكن التعامل معها عبر مساعدات مؤقتة أو استجابات عابرة. فالدولة التي استطاعت بناء اقتصاد متنوع وبنية تحتية متقدمة، أدركت أيضًا أن دعم واحترام الشعوب عبر مدّ يد العون عندما يحتاج العالم إلى ذلك، ضرورة لكي يعم السلام العالم.
ومن هنا، أصبحت صورة الإمارات في الوعي العالمي مرتبطة بمعادلة لافتة: دولة قوية في الداخل، وإنسانية في الخارج. هذه المعادلة ربما تفسر لماذا تحرص الإمارات، حتى في أكثر الأوقات توترًا في المنطقة، على أن تبقى قوافل المساعدات والغذاء والدواء والتعليم في طريقها إلى المحتاجين. فالرسالة التي تخرج من أبوظبي ودبي وسائر إمارات الدولة واضحة: الأزمات قد تتكاثر، لكن العطاء لا يتوقف.
بهذا المعنى، لم تعد الإنسانية في الإمارات مجرد نشاط خيري، بل أصبحت سياسة دولة ورؤية للمستقبل. وفي عالم يميل غالبًا إلى القوة، تقدم الإمارات نموذجًا مختلفًا: دولة تبني قوتها أيضًا عبر الرحمة، وتؤكد أن الأمن القوي يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع قلب إنساني مفتوح على العالم.
وفي المحصلة، فإن تجربة الإمارات في العمل الإنساني تكشف عن فكرة أعمق من مجرد تقديم المساعدات؛ إنها رؤية ترى في الإنسان محور السياسة وغايتها. فالدول قد تُعرف بقوتها العسكرية أو بحجم اقتصادها، لكن قلة منها تستطيع أن تجعل الرحمة جزءًا من استراتيجيتها الوطنية، وأن تحوّل العطاء إلى لغة دائمة في علاقاتها مع العالم.
ولهذا تبدو الإمارات اليوم وكأنها تقدّم درسًا مختلفًا في السياسة الدولية: أن الاستثمار في الإنسان ليس عملاً خيرياً فحسب، بل ركيزة من ركائز الاستقرار العالمي. فحين تمتد يد المساعدة إلى الجائع واللاجئ والمحتاج، لا تُبنى حياة فردية فقط، بل تُبنى جسور من الثقة بين الشعوب.
وفي عالم يزداد قلقًا وتوترًا، تبقى هذه الرسالة ذات قيمة خاصة: أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على فرض النفوذ، بل في القدرة على منح الأمل. وربما لهذا السبب، كلما اشتدت الأزمات في مكان ما من العالم، تظهر الإمارات في مكان آخر حاملةً الغذاء والدواء والتعليم… وكأنها تقول بهدوء إن الإنسانية، حين تتحول إلى سياسة دولة، تصبح أحد أشكال القوة التي يحتاجها العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى.
التعليقات