[لو جالك خبر وفاة شخص ظلمك، وأذاك، وضرك.. هتسامحه؟.. وسواء جاوبت آه أو لأ: ليه؟.]
هذا السؤال طرحه الإنسان النبيل صانع أرقى محتوى مسموع ومكتوب على صفحات التواصل الإجتماعي، الجميل تامر عبده أمين.
سؤال يبدو عادي وبسيط، ما أدهشني حقا أني وجدت عشرات الأصدقاء لدي يجيبون على هذا السؤال بالنفي القاطع.
في صِبَانا كانت الحياة بسيطة، كُنا أُناس ممتلئين بالحياة .. يحركنا الصبر والجلد والقدرة على التحمل والكثير والكثير من عدم وضوح الرؤيا.
في الرحلة كنا محظوظين أحيانا وبؤساء في أوقات أخرى. كان هذا حال الجميع، دستورنا الصبر ولربما يتغير الحال ولربما نعمل بقول الله تعالى:﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ النور: 22].
ثم فاض الكيل يا سيدي، وكبرت معنا أفراحنا وآلامنا وأوجاع قلوبنا. نتساءل، كيف يتركنا الله في كل هذه المعاناة طوال هذه السنوات؟ كيف يرضى من يعرفنا من داخلنا كل هذا الألم والهوان؟ كيف يستطيع البشر الكذب بوجه مكشوف؟ وكيف يصدقهم الأغبياء؟ أين رحمة الله التي يشفي بها صدور عباده؟ هل خُلقنا لنبقى في هذا الهُراء بجانب القلوب الصدئة عمرا بأكمله؟
لماذا لا يتدخل الله ويمنع عنا كل هذا الأذى؟ ولماذا أصحاب السريرة النقية مختبرون؟
مئات من التساؤلات تدور في عقولنا، لا تعني الاعتراض على قدر الله .. ولكنها تدل على أن البعض كان يأكل قلوبنا حيّة!
وكبرنا .. صادقنا النضج .. وتعرفنا بصورة أفضل على أنفسنا وجوانب ديننا، وكاد أصحاب القلوب الوقحة أن يلتهموا جمال نفوسنا ويورثونا سواد الانتقام.
كثيرا ما تحدثنا إلى الله أن يأتي لينقذنا ويظهر حلاوة قلوبنا ونقاء سريرتنا وسيرتنا، لكنه لم يفعل في بعض الأحيان!
يتعيّن عليك صديقي أن تكون نفسك، أن تصبر حتى يصير الصبر دستورا، أن تحفظ طريق البِر عن ظهر قلب ولا تخطئه، أن تَقْدِر على الرد لكنك تعفف لأنك تحفظ قلبا آخر تتمنى له حسن البقاء والعافية، أن ترتقي وتتمسك بما غُرس في نفسك من جمال، وأخيرا أن تتعلم أن الطريق إلى الله ليس سهلا وأنك لن تستحق محبته وأُنس لطفه لو لم تكن صابرا متطلعا ليوم الفرج أو يوم القصاص .. وأنت مُخْتَبر.
هنا يبزغ سجال آخر وهو العفو عند المقدرة. هذا العفو يا سيدي هو المشكاة التي تنزح غضب السنين عن قلبك وتمنحك سنوات أخرى من الاطمئنان .. ولكن!
هل يعقل أن يستمر أحدهم في ظلمك سنوات بأكملها وتكون خطواته نحوك كمن يحفر بئرا كي تسقط فيه. ثم يأتي أحدهم يزين لك العفو وأنه بابك لتكون من المحسنين( وهو بالفعل كذلك)!
لا أتصور أبدا أن الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور والذي يعلم كم لحق بنا الأذى وكيف شيبتنا قلوبا سوداء، أن يطالبنا بالعفو إلا إذا تدخل سبحانه بمعجزاته ليحتوي قلوبنا.
بعض الأذى جروحه لا تندمل! وبعض القصاص في الآخرة عظيم، لكن كيف تقنع من ذاق ويلات الظلم أن ينتظر!
لم أجب عن تساؤلات الكاتب تامر عبده أمين على صفحته الخاصة على فيس بوك، لكني سأجيب اليوم في مقالي هذا.
سأسامح من أذاني مرة وربما مرتين وربما ثلاثة. سأسامح من كان بعض حاجته دفعته لمسبتي، سأسامح من وجد نعمتي واستكثرثها عليّ فربما لم أعرف الحرمان، سأسامح من صارعني في بعض الرزق وبعض من اغتابني فلربما لم يخرجوا من بيوت علمتهم صون اللسان، سأسامح كل من اختلفت معهم وتركوني فربما أكون المخطئة أو تدخل الشيطان بيننا.
لكني !!!
لن أسامح أبدا من شوه صورتي ومن أُحب ليبدو في نظر الناس "الرائع الذي لا يخطيء"، لن أعفو عمن أمضى سنوات عمره يترصدني ويَعُد عليّ الأنفاس، لن أعفو عمن وضع الحيّل المُحكَمة ليشوه جميل ما يظهر من قلبي وقد كان قلبه يضمر لي الجحيم المستعر، سأطلب من الله لكل من خطط لأذيتي أن يحاسبهم بعدله وليس برحمته، ربما لا أحب أن أراهم يعذبون في النار رغم أنهم جعلوا الفضل بيننا مستباح ..
ولكني سأطلب من الله أن يجمع كل من يعرفنا وينظرون إليهم بالصوت والصورة ليروا كيف كانت تدار المكائد وكيف كانت أحقادهم تتراص بمرور السنوات لتصنع حولهم الهالة التي كنت أكرهها، وكيف كانت غيبتهم ونميمتهم، سأطلب من الله أن ينظر الجميع داخل قلوبهم التي سَتُحْرَم الكذب يوم الميعاد، سأطلب من الله أن يفضح سوء نوايهم حتى يتساقط لحم وجوههم خجلا أمام الله من سوء فعلهم.
نعم سأستمتع بفضحهم أمام الخلائق وهذا هو القصاص العادل من وجهة نظري، ثم سأطلب أخيرا من الله أن يخفي عنهم أني سامحتهم وينتظروا بين الجنة والنار تأكلهم حيرتهم وخوفهم بقدر مغبة حقدهم وسوء نواياهم وهذا فقط حتى لا ننسى الفضل بيننا!
ربما أعفو عمن ظلمني ولكني لا أعفو أبدا عن كل من ظلم من أحببت حتى يعفو هو!
التعليقات